أثر حبّ الذات في النشاط العقلي
حبّ الذّات يقتضي شوق الإنسان إلى الترقّي والكمال شيئاً فشيئاً . وممّا هو واضح لدى الإنسان أنَّ العلم خيرٌ من الجهل ، وأنَّ الوصول إلى الحقيقة خيرٌ من البعد عنها ، فمن هنا كان الإنسان دائم الجهاد في سبيل الوصول إلى الحقائق واكتشاف كنه أسرار الكون والحياة والعلوم ، وما قد يصادفه في طريقه الحياتي من مشاكل وعقبات .
ومن هنا ، وبعد أنَّ علم الإنسان أنَّ لديه تفكيراً وعقلًا ، وأنَّ لديه شعوراً وإحساساً ، أصبح يسخّر هذه الملكات العظيمة في سبيل تحصيل تلك الحقيقة المجهولة .
ولعلّنا نستطيع أن نلاحظ في المقام : أنَّه لولا توقان الإنسان إلى رؤية الحقيقة بسبب حبّ ذاته ، لما استعمل عقله ولما التفت إلى تفكير ، ولما استنكف من الخطأ والبعد عن الحقيقة ، ولما رأى فيهما ما يزعج ، بل لكان وجود العقل والتفكير لديه لغواً محضاً لا فائدة فيه .
إلَّا أنَّ الإنسان بعد أن وجد لديه عقلًا ووعياً وتفكيراً ، استخدمه في سبيل تحصيل الحقيقة وأطاع أحكامه إطاعة عمياء ؛ لأنَّ ما توصّل إليه العقل بالقطع واليقين ، فقد توصّلت إليه الذّات أيضاً بالقطع واليقين ؛ لأنَّ العقل ملكة من ملكات الذّات نفسها . واعتراف الذّات بما يقطع به عقلها لا شكّ كمالٌ لها ، موافق لحبّ ذاتها ، لذا كانت الذّات تنصاع انصياعاً تلقائيّاً