الله دائناً بالمعنى الأخلاقي ، إلا أنه يختلف عن سائر الدائنين من عدة جهات :
أولًا : إنه يحلل دائنيه ويفرغ ذممهم من كثير من ديونه : بالعفو والصفح والمغفرة .
ثانياً : إنه يصبر على طول الدين . فإن تباطأ الفرد في أدائه عفا عنه .
وبالرغم من أن البطء دين آخر . إلا أن المهم هو الأداء ولو بعد حين . وهذا معنى كون باب التوبة والإنابة مفتوح ما دام النفس موجوداً أي ما دام الفرد في هذه الحياة الدنيا .
ثالثاً : إن هذا الدائن هو الذي يسبب للمدين طريق وفاء دينه . كأنه يعطيه مالا ليدفعه إلى الدائن الذي هو نفس معطي هذا المال . ومع ذلك فهو يعتبره وفاء لما في ذمة المدين .
بل المسألة أكثر من ذلك ، فإن هذا الدائن يعتبر ما أخذه من الدين من مدينه ديناً في ذمته يستحق عليه أداؤه .
وهذا معناه أن الله تعالى كأنه يعتبر نفسه مديناً بالثواب لعبده : على أعماله الصالحة وطاعته . غير أن الفرق أن العبد كان بمنزلة العاجز عن أداء حق ربه . عندما يكون مديناً له . ولكن الله سبحانه قادر على أداء الدين الذي اعتبره على نفسه ، من إعطاء الثواب الجزيل والجزاء الجميل .
وهذا من المعاني المقصودة في العبارة الواردة في الدعاء : وأنت الوهاب ثم لما وهبت لنا من المستقرضين .
بل الأمر أكثر من ذلك ، فإن العبد بصفته مديناً لله سبحانه لا يستطيع أن يدفع كل دينه ، بل تبقى نسبة منه غير مدفوعة لا محالة ، لاستحالة أن يطاع الله تعالى حق طاعته وأن يؤدي لله كل حقه . فيبقى العبد راجياً للمغفرة والتسامح
فقه الأخلاق — صفحة 46
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٦