وهنا يواجهنا الفقه على مستوى الفكر الإسلامي العامّ . إذن فالفقه هو المرآة الصالحة للكشف عن الأحكام الواقعيّة التي جاء بها الإسلام لتربية البشر ، وهو الذي يسعفنا بالجواب عن كلِّ مشكلةٍ لدى بُعد الزمان والمكان عن عصر التشريع ، وهو الميدان الصالح لتنفيذ الفكرة القائلة : ما من واقعة إلّا ولها حكم ، ومن هنا تبرز بوضوح أهميّة الفقه .
- 5 -
لم يكن المجتمع - في الأغلب - خلال عصر التشريع بحاجة إلى قواعد عامّة يستند عليها في استكناه الحكم الشرعي ، بعد أن كان في إمكانه السؤال المباشر والمعرفة الحسيّة بالحكم . ولم يكن يحول دون هذه المعرفة إلَّا بعض الشكوك التطبيقيّة التي قد تحدث للإنسان في حياته الفرديّة ، كالشكِّ في دخول وقت الصلاة مثلًا . أمّا مجموعة الأحكام بالمقدار الذي يحتاجه المجتمع آنئذٍ ، فقد كانت متوفّرة بصراحة ووضوح خلال عصر التشريع . بل لعلَّ المجتمع يومئذٍ لم
يكن بالمستوى الفكريّ اللائق لتلقّي القواعد العامّة ؛ لوضوح أنَّ تطبيق القواعد العامّة على مواردها يحتاج إلى ذوق رفيع واعتياد طويل ، لم يكن المجتمع قد مرّ به يومذاك ، بل كان الفرد - في الأعمّ - يسأل عن موضع حاجته ، ثُمَّ يذهب ليطبّق الجواب تطبيقاً صرفيّاً من دون فحصٍ عن أيِّ دليل آخر من الكتاب والسنّة ، ممّا نعرف الآن ضرورته في علمي الفقه والأُصول .
ولكن بالرغم من ذلك ، كانت القواعد العامّة تُزرق بأناةٍ وحكمة مع عدد أجوبة الأسئلة ، ولعدد من الأفراد الأذكياء المفكّرين ، حيث عرف
أصول علم الأصول — صفحة 36
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٦