والعلّة الحقيقيّة إنَّما هو شخص الواضع ، وهو مختلف نوعاً .
قلنا : لو سلّمنا بتلك القاعدة ، فإنَّها إنَّما تسري في العلل والمعلولات الحقيقيّة لا في الانتزاعيّات والاعتباريّات ، والأمر هنا من هذا القبيل ؛ لأنَّ مفهوم الوضع انتزاعي ونتيجة الوضع اعتباريّة ، فلا تسري عليها القاعدة .
فإن قلت : بأنَّ شخص الواضع هو العلّة حقيقة .
قلنا : يجاب ذلك بوجهين :
الوجه الأوّل : إنَّ العلّة قد تختلف بالحيثيّة ، وشخص الواضع إنَّما هو علّة للوضع من حيثيّة كونه واضعاً ، فرجع الأمر إلى الأمر الاعتباري .
الوجه الثاني : إنَّ قاعدة الوحدة في الصّفة بين العلّة والمعلول لو سلّمناها ، فإنَّما هي باعتبار أنَّ الأردأ لا ينتج الأشرف ، يعني : أنَّ الأمر الاعتباري لا ينتج أمراً حقيقيّاً ، وهذا أكيد وواضح ، إلَّا أنَّ العكس ممكن ، والمورد من مصاديقه ، كما أنَّ إيجاد الأشخاص للمعاملات من مصاديقه أيضاً .
المختار في تعريف الوضع وحقيقته
ثُمَّ إنَّ حقيقة الوضع وتعريفه في نظرنا : أنَّه الاقتران الجعلي الدلالي الكامل ، ونشرح مرادنا فيما يلي لفظاً لفظاً :
فالاقتران من باب تداعي المعاني الذهني بين اللفظ والمعنى . وقانون تداعي المعاني مسجّل في المنطق وعلم النفس وثابت
بالتجربة ، ومن موارده أنَّ الذهن إذا تذكّر العلّة تذكّر المعلول ، وإذا تذكّر الضدّ تذكّر ضدّه ، وإذا تذكّر المثيل تذكّر مثيله ، وهكذا .
ففي هذا الاقتران يحصل نفس الشيء ، وهو أنَّه إذا تذكّر اللفظ تذكّر