حقيقة الوضع
ينبغي التساؤل أوّلًا حول ما إذا كان الحال يختلف في معنى
الوضع وحقيقته ، لو لاحظنا أقسامه أم لا .
فإنَّنا عرفنا أنَّ له أقساماً ثلاثة كلّها ناجزة وصحيحة ، كلّ حسب رتبته من الوجود :
القسم الأوّل : الوضع التعييني الإلهي ، وذلك بالنسبة إلى اللغة الأُولى التي يتعذّر وجودها بدونه ، سواء كان طرفها واحداً كآدم عليه السلام أو متعدّداً كمجتمع .
القسم الثاني : الوضع التعيّني الاجتماعي ، وهو ما كان بعد ذلك وإلى العصر الحاضر ، والذي ترتبط به تعدّد اللغات وتطوّرها .
القسم الثالث : الوضع التعييني الشخصي ، كوضع أسماء الأعلام للأشخاصّ والأمكنة والمخترعات وغيرها كثير .
إذن فأسباب الوضع وأقسامه تختلف ، إلَّا أنَّ ذلك لا يلازم اختلاف المسبّب ، فإنَّ كلّ هذه الأسباب تنتج معلولًا واحداً بالنوع ، هو الوضع الذي سوف نقول تعريفه ، وهي وإن اختلفت بالنوع إلَّا أنَّ عملها واحد ، وهو ربط اللفظ بالمعنى المنتج للوضع . والعلّة إنَّما هو هذا العمل وليس العامل ، وهذا العامل واحد بالنوع ، كما هو واضح .
بتعبير آخر : أنَّ أشخاص الواضعين وإن اختلفوا بالنوع ، إلَّا أنَّه يصدق عليهم عنوان كلّي واحد ، هو ( الواضع ) الذي هو العلّة في الوضع .
فإن قلت : إنَّنا إذا لم نسلّم بقاعدة الوحدة النوعيّة بين العلّة والمعلول ، فلا إشكال ، وإن سلّمنا لم يكف عنوان الواضع ؛ لأنَّه عنوان
انتزاعي ،