وكلّ هذه الماهيّات المتكثّرة لا تكون إلَّا بالتفهيم والتفهّم المتوقّف على وجود لغة مهما كانت بسيطة .
إذن فالحيوانات لها لغات ، مع أنَّها لا تعلم بالوضع ، لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع ، يعني : لا مفهوم الوضع الاصطلاحي ولا واقعه .
وكذلك الحال في الأطفال عند نطقهم بالكلام ، بل قبل ذلك ، يعني : بمجرّد أن يبدأ الطفل بفهم الكلام ، فإنَّه أيضاً لا يعلم بالوضع لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع .
ومن هنا نشعر أنَّ اصطلاح الوضع أصبح ساقطاً عن الأهميّة ، ولا حاجة إلى إتعاب النفس ، كما فعل سائر الأُصوليّين المتأخّرين ، إلى فهم معناه وجعل تعريف معيّن له ، وإنَّما هو اصطلاح متأخّر لم يكن له في المتقدّمين أثر .
حاجة المعاني إلى اللّغة
كلام الماديّون في حاجة المعاني إلى اللّغة ومناقشته
وإنَّما ينبغي أن يقع الكلام في أمرين :
الأمر الأوّل : حاجة المعاني إلى اللغة ، أو قل حاجة التفكير إليها
وعدمها . حيث قال الماديّون : إنَّ المعاني لا تكون إلّا بلغةٍ حتّى في باطن الذهن ، ولا يمكن للإنسان أن يفكر إلَّا بلغة « 1 » .
وهذا الأمر وإن كان غالبيّاً إلّا أنَّه ليس دائميّاً ؛ لأنَّه منقوض بعدّة
هامش
( 1 ) ورد قريب منه في كتاب ( المنطق ) : 37 ، الباب الأوّل : مباحث الألفاظ .