وأنت إذا كنت ذا طبع سليم ، وتصفّحت كلام خطباء العرب والفرس وشعرائهم ، لا تشكّ في عدم صحّة ما ذهب إليه المشهور .
لكن ما ذهب إليه السكّاكي - أيضاً - غير تامّ .
التحقيق في المجاز
والحقّ الحقيق بالتصديق هو ما اختاره بعض أجلّة العصر رحمه الله في وقايته « 1 » وتبعه غيره « 2 » : أنّ اللفظ في مطلق المجاز - مرسلًا كان أو استعارة أو مجازاً في الحذف ، مفرداً كان أو مركّباً - وكذا في الكناية ، مستعمل فيما وضع له لا غير ، لكن يكون جدّه على خلاف استعماله ، وإنّما يكون تطبيق المعنى الموضوع له على ما أراده جدّاً ؛ بادّعاء كونه مصداقه كما في الكلّيات ، وعينه كما في الأعلام الشخصية .
فقوله :
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
استعمل « المَلَك » في الماهية المعهودة من الروحانيين ، وإنّما حملها عليه بادّعاء كونه من مصاديقها ، فالادّعاء على مذهب السكّاكي وقع قبل الإطلاق ، فاطلق اللفظ على المصداق الادّعائي ، دون هذا ؛ فإنّ الادّعاء بناءً عليه وقع بعد الاستعمال وحين إجراء الطبيعة الموضوع لها اللفظ على المصداق الادّعائي .
وفي قوله : « رأيت حاتماً » أريد ب « حاتم » هو الشخص المعروف وادّعي أنّ فلاناً هو هو ، فالادّعاء لتصحيح إجراء المعنى على المعنى ، فحسن
هامش
( 1 ) - وقاية الأذهان : 103 .
( 2 ) - نهاية الأصول : 28 - 30 .