على أنّ القول بأنّ ترتيب السور القرآنيّة على هذا النمط ممّا وقع بعد عصر الرسالة ليس أمرا مجمعا عليه بين الأمّة ، كيف ؟ وبعض السلف مصرّون على أنّ ترتيب المصحف المجيد على ما هو عليه الآن إنّما وقع في عصره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طبق ما اقتضاه رأيه الأقدس .
وأمّا الثاني : فبتطرّق القدح إلى بعض مقدّماته وسيّما حكاية الاستحداث ، كيف ؟
وتجويزهم كون السورة هي المشار إليه في قوله - عزّ وعلا - :
ذلِكَ الْكِتابُ
شاهد صدق بخلافه ؛ على أنّ تسمية البعض باسم الكلّ مجاز شائع لا حجر فيه ، فلا مانع من أن يكون هذا منه .
[ الثاني والثالث : « 1 » أمّ القرآن وأمّ الكتاب ]
ومن أسمائها أمّ القرآن وأمّ الكتاب ، لأنّها جامعة لأصول مقاصده ، ومحتوية على رؤوس مطالبه ، والعرب قد يسمّون ما يجمع أشياء عديدة أمّا ، كما يسمّون الجلدة الجامعة للدماغ وحواسّه أمّ الرأس ، واللواء الذي يجتمع العسكر تحته أمّا ؛ ولأنّها كالفذلكة « 2 » لما فصّل في القرآن المجيد ، فكأنّه نشأ وتولّد منها بالتفصيل بعد الإجمال ، كما سمّيت مكّة المشرّفة بأمّ القرى ؛ لأنّ الأرض دحيت من تحتها .
ووجه اشتمال هذه السورة الكريمة على مقاصد الكتاب العزيز :
إمّا أنّ تلك المقاصد راجعة إلى أمرين : هما : الأصول الاعتقاديّة « 3 » ، والفروع العمليّة « 4 » ؛ أوهما : معرفة عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة .
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفتين أضفناه لمزيد التوضيح ، وفي جميع النسخ المخطوطة : « فصل » .
( 2 ) . « الفذلكة ، مصدر ويراد بها في كلام العلماء إجمال ما فصّل أوّلا ، وكلّ ما هو نتيجة متفرّعة على ما سبق حسابا كان أو غيره ، ومجمل الكلام وخلاصته » . ( « أقرب الموارد » ج 2 ، ص 909 ، « الفذلكة » ) .
( 3 ) . أي : من أوّلها إلىمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
( 4 ) . أي : منإِيَّاكَ نَعْبُدُإلى الآخر .