فصل [ في حسن المداراة ]
وحيث كانت مصاحبة الأخيار بهذا القدر من الفضل ، فاعلم : أنّها لا تتم الّا بعد حسن المداراة ، والصفح عن الهفوات ، وفتح باب العذر والتأويل للزلات لان الانسان مغمور بالنقص - الا من عصمه اللّه تعالى - لما تدعوه اليه نفسه ، ويهوي به اليه هواه .
ثم - ولو فرض استقامته من كل الوجوه - فارادات الناس وآراؤهم تختلف كاختلاف صورهم ، فربما يفعل ما هو حسن في نفس الامر ، ويسبق إلى وهمك قبحه ، فتبادره باللوم وأنت أحق به منه .
ولهذا قيل : رب ملوم لا ذنب له ، ولائم أحق باللوم .
وقال بعضهم ، رب سامع بخبري لم يسمع بعذري ، فان صدر منه ما لم تجد له تأويلا ، فاعلم أن ذلك لقصورك عن معرفة التأويل .
فقد روي عن النبي عليه السّلام هذا المعنى في قوله : التمسوا لاخوانكم العذر في زلاتهم ، فإن لم تجدوا لهم العذر في ذلك ، فاعتقدوا أن ذلك منكم لقصوركم عن معرفة العذر .
وقال الشاعر :
وليس صديقي من إذا قلت كلمة * تصور في آثار موقعها أمرا
ولكنه من لو قطعت بنانه * تصوّره قصدا لمصلحة أخرى