ومنها : أن يتصور أن فيما وقاه اللّه من الرزايا ما هو أعظم من رزيّته ، وأشد من حادثته ، فيعلم أنه ممدوح بحسن الدفاع .
ولذلك قال النبي عليه السّلام : ان للّه تعالى في كل محنة منحة .
ومنها : أن يتسلّى بذوي الغير ، ويتأسّى بأولي العبر من أهل الفضائل المصابين قبله فيعلم أن طوارق الانسان من دلائل فضله ، ومحنه من شواهد نبله ، لان البلاء موكّل بالأمثل فالأمثل .
وما ذاك الا لان ذا الفضل محسود ، وبالأذى مقصود ، فهيهات أن تسلم له نعمة ، أو تصفى له لذة .
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى * كالنار مخبرة بفضل العود
وقلّ ما يكون محنة فاضل الا من جهة ناقص ، أو بلوى عالم الا من جهة جاهل ، وذلك لاستحكام العداوة بينهما ، للحسد على التقدم ، فلا تكاد تجد ذا عقل في سرور متصل ، ولا ذا لب في لذة كاملة .
قال علي رضي اللّه عنه : قلب العاقل بيت الأحزان .
إذا قل عقل المرء قلت همومه * ومن لم يكن ذا مقلة كيف يرمد
وقال الحكماء : من زاد في عقله ، نقص من رزقه .
وقال إبراهيم بن هلال الكاتب :
إذا جمعت بين امرأين صناعة * وأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فحيث يكون النقص فالرزق واسع * وحيث يكون الفضل فالرزق أضيق
فإذا ظفر ذو المصائب بأحد هذه الأسباب تخففت أحزانه ، وسهلت عليه أشجانه ، فصار وشيك السلوة ، قليل الجزع ، وان غفل نفسه عن دواعي السلوّ ومنعها أسباب الصبر ، تضاعفت عليه عدة الأسى ، وهموم الجزع ، وإذا تمادت به فربما أفضت به إلى اتلاف النفس أو الدين ، والعياذ باللّه ، أو إلى الضعف