لمّا قدِم معاوية المدينة منصرفاً من مكّة ، بعث إلى الحسن والحسين وعبداللَّه بن جعفر وعبداللَّه بن عمر وعبداللَّه بن الزّبير وعبداللَّه بن صفوان بن اميّة بهدايا من كُسىً وطيب وصِلات من المال ، ثمّ قال لرسله : ليحفظ كلّ رجل منكم ما يرى ويسمع من الرّدّ .
فلمّا خرج الرّسل من عنده ، قال لمن حضر : إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم ؛ قالوا : أخبرنا يا أمير المؤمنين ، قال : أمّا الحسن فلعلّه يُنيل نساءه شيئاً من الطّيّب ويهبُ ما بقي من حضره ولا ينتظر غائباً . وأمّا الحسين فيبدأ بأيتام من قُتل مع أبيه بصفّين ، فإن بقي شيء نحر به الجزر وسقى به اللّبن . وأمّا عبداللَّه بن جعفر فيقول : يا بُدَيح « 1 » ! اقض به دَيني ، فإن بقي شيء فأنفذ به عداتي . وأمّا عبداللَّه بن عمر فيبدأ بفقراء عديّ بن كعب ، فإن بقي شيء ادّخره لنفسه ومانَ به عياله . وأمّا عبداللَّه بن الزّبير فيأتيه رسولي وهو يسبِّح فلا يلتفت إليه ، ثمّ يعاوده الرّسول فيقول لبعض كُفاته : خذوا من رسول معاوية ما بعث به ، وصله اللَّه وجزاه خيراً ، لا يلتفت إليها وهي أعظم في عينه من احُد ، ثمّ ينصرف إلى أهله فيعرضها على عينه ويقول : ارفعوا ، لعلّي أن أعود بها على ابن هند يوماً ما . وأمّا عبداللَّه بن صفوان فيقول : قليل من كثير ، وما كلّ رجل من قريش وصل إليه هكذا ، ردّوا عليه ؛ فإن ردّ قبِلناها .
فرجع رسله من عندهم بنحو ممّا قال معاوية ؛ فقال معاوية : أنا ابن هند ! أعلم بقريش من قريش .
ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، 3 / 40 - 41
أنّ معاوية حبس عن الحسين بن عليّ صلاته حتّى ضاقت عليه حالُه . فقيل له : لو وجّهت إلى ابن عمّك عبيداللَّه ، فإنّه قد قدم بنحو من ألف ألف درهم ؛ فقال الحسين :
وأين تقع ألف ألف من عبيداللَّه ، فوَاللَّه لهو أجود من الرّيح إذا عصفت ، وأسخى من البحر إذا زخر . ثمّ وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله ، وأ نّه يحتاج إلى مائة ألف درهم .
هامش
( 1 ) - بديح : اسم مولى كان لعبداللَّه بن جعفر