وأخيراً توصل إلى هذه النتيجة ، وهي أنّ المشركين العرب في مكة ربّما لهم يد في هذا الحادث ، ولذلك جهز جيشاً كبيراً وتوجه إلى مكة بقصد هدم الكعبة للانتقام من المشركين في مكة ، وعندما وصل جيش أبرهة على مقربة من مكة وشاهد أهالي مكة ذلك الجيش العظيم فزعوا بشدة وامتلكهم الخوف والرعب ، لأنه أولًا : إنّ المشركين لم يروا جيشاً من الفيلة قبل ذلك ، وثانياً : لم يشاهدوا جيشاًبتلك العظمة والشدة في ذلك الوقت .
وعندما اقترب أبرهة من جبال مكة توقف قليلًا وأرسل رسولًا ليأتي بزعيم مكة إليه ، وكان عبد المطلب جدّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت كبير مكة ، فجاء إلى أبرهة ، فلما رأى أبرهة معالم العظمة والعزّة على ملامح عبد المطلب نزل من مركبه وأخذ بيد عبد المطلب وجلسا سوياً على الأرض ، ثم أخبره بسبب قدومه مع هذا الجيش الكبير إلى مكة ، وقال : ماذا تطلب منّي ؟
فقال له عبد المطلب :
« إنّي أنا ربّ الإبل ، وإنّ للبيت ربّاً سيمنعه عليك » « 1 » .
وهكذا عاد عبد المطلب إلى مكة وأمر الناس بالتوجه إلى الجبال المحيطة بمكة واللجوء إليها ، فتقدم جيش أبرهة باتجاه الكعبة قاصداً هدمها ، وفجأة شاهد الجنود الذين يركبون الفيلة سحاباً من بعيد يتجه نحوهم من جانب البحر الأحمر ، وعند اقتراب السحاب شاهدوا طيوراً صغاراً كل واحد منها يحمل ثلاثة أحجار صغيرة بمقدار الحمصة ، أحدها في منقاره والحجران الآخران بقدميه ، فلم يرسل اللَّه تعالى في مقابل الجيش العظيم المجهّز بالفيلة ، جيشاً أعظم منه بل بعث عليهم هذه الطيور الصغار لمهاجمتهم والتصدي لهم ، فكل طير منها مأمور بقتل ثلاثة جنود من جيش أبرهة ، فهلك جميع أفراد جيش أبرهة ولم يسلم منهم سوى نفر واحد عاد مسرعاً إلى اليمن ليخبرهم عمّا حلّ بجيش أبرهة من الهلاك والدمار والفضيحة .
هامش
( 1 ) . التفسير المنير ، ج 30 ، ص 404 .