وظروف المحكمة هناك بشكل لا يتيح للمتهم فرصة للإنكار ، فلو اعتقد الإنسان واقعاً بهذه القضية وأنّه سيتعرض للسؤال عن جميع أعماله وحركاته في ذلك اليوم ، وهو اليوم الذي لا تقبل فيه رشوة أو شفاعة ولا يمكن للإنسان أن يحتال ويراوغ في أجوبته ، فإنّه لا يتحرك اطلاقاً في خط المعصية وارتكاب الإثم .
السؤال عن النعم :
إنّ دائرة السؤال في ذلك اليوم تتسع لمساحة كبيرة ولا تختص بأعمال الإنسان وسلوكياته ، بل يسأل عن النعم التي وضعها اللَّه تعالى تحت اختياره في الدنيا ، ونقرأ هذا المعنى في الآية 36 من سورة الإسراء :
« وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا » .
أجل ! يسأل الإنسان عن نعمة السمع والبصر والعقل والشعور وكيفية استفادة الإنسان منها واستخدامها في حركة الحياة .
ونقرأ في الآية 8 من سورة التكاثر أنّ السؤال عن النعيم بشكل واسع ومطلق :
« ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ » .
إنّ كلمة « نعيم » المحلى بالألف واللام ، جمع « نعمة » وهذه الكلمة بهذه الهيئة تدلّ على العموم وعليه فإنّ مورد السؤال غير ناظر لنعمة خاصّة أو نعيم خاص ، بل إنّ اللَّه تعالى يسأل الإنسان عن جميع النعم والمواهب التي وهبه إيّاها في إيّام الدنيا .
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ النعيم بمعنى « الصحة » و « الأمن » .
وذهب آخرون إلى تفسير هذه الكلمة ب « الصحة » و « الفراغ » ، ونعلم أنّ الفراغ غير الصحة والسلامة ، لأنّه من الممكن أن يكون الشخص سالماً ولكنّه غارق في دوامة من المشاكل الأسرية والاجتماعية والمهنية ، بحيث لا يذوق طعم النوم
الأقسام القرآنية — صفحة 484
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٨٤