شرح
ولكن يرد عليه أوّلًا : أنّ هذه الروايات - على فرض كونها كما زعمها - لا تدلّ على أكثر من أنّ غاية الحرمة فيما غلى بنفسه ليست هي ذهاب الثلثين ، بل ذهابهما غاية فيما إذا غلى بالنار ، وانطبق عليه عنوان المطبوخ وشبهه ، وكيف يمكن استفادة مسكريّة العصير المغليّ بالنفس من الاختلاف من جهة الغاية ؟
كما هو واضح .
وثانياً : أنّ ما أفاده من أنّ الغليان إذا اسند إلى الشيء كان المراد به هو حصوله بنفسه لا بالسبب ، ممّا لا يتمّ ولا يساعده الدليل ؛ فإنّ المتبادر من الغليان - عرفاً ولغةً - هو الفوران والقلب بقوّة ، وهما لا يتحقّقان فيما غلى من قبل نفسه ، مع أنّ كلمات اللغويّين مخالفة لما أفاده ، ففي المنجد : غلت القدر :
جاشت بقوّة الحرارة « 1 » . وظاهره أنّ ما غلى بنفسه لا يطلق عليه الغليان حقيقة ، وعن المجمع غلت القدر غلياناً : إذا اشتدّ فورانها « 2 » ، فليست مادّة الغليان ظاهرة في الغليان الحاصل من قبل نفس الشيء لو لم تكن ظاهرة في عكسه .
ودعوى : أنّه لا مجال لإنكار أنّ الغليان إذا اسند إلى الشيء مطلقاً وبدون ذكر السبب ، يكون ظاهر إطلاقه ما يحصل للشيء من قبل نفسه .
ممنوعة ؛ لأنّه إذا ذكر مطلقاً يكون مقتضى إطلاقه الشمول لجميع الأفراد على البدل ؛ من دون فرق بين ما يحصل بنفسه ، وما يتحقّق بالسبب ، والانصراف يحتاج إلى كثرة الاستعمال ، وهي غير متحقّقة فيه لو لم نقل بتحقّقها في ما يحصل بالسبب ، كما لا يخفى .
أضف إلى ذلك ما أفاده بعض الأعلام من أنّ الغليان لا يعقل أن يستند
هامش
( 1 ) المنجد : 558 .
( 2 ) مجمع البحرين 2 : 1333 .