شرح
وأمّا على التقدير الثاني ؛ أي تقدير النصب ، كما عن نافع وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية حفص « 1 » ، فلا إشكال أيضاً ، لكونه معطوفاً على محلّ قوله : « بِرُءُوسِكُمْ » ؛ لأنّ محلّه منصوب ؛ لكونه مفعولًا لقوله : « امْسَحُواْ » ، وإضافة الباء إنّما هي لإفادة التبعيض ، كما سيأتي « 2 » تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى ، وإلّا فمادّة « مسح » متعدّية بنفسها ، ويمكن أن يكون عطفاً على محلّ نفس « رُءُوسِكُمْ » ؛ لكونه منصوباً أيضاً .
والثمرة بين الوجهين إنّما تظهر فيما يأتي من وجوب مسح الجميع ، أو كفاية مسح البعض ، فانتظر .
وكيف كان ، فالظاهر بمقتضى انقضاء الجملة الأولى من الآية الكريمة ، التي أمر فيها بالغسل ، وتماميّة حكمها باستئناف الجملة الثانية - الدالّة على إيجاب المسح - هو : كون « أَرْجُلَكُمْ » معطوفاً على ما يجب مسحه ؛ وهو الرؤوس ، لا على الوجوه التي أمر بغسلها .
ودعوى أنّ تأخير الأرجل عن مسح الرأس إنّما هو لأجل ملاحظة الترتيب الواجب في الوضوء ، فلا ينافي ذلك وجوب غسلها « 3 » .
مدفوعة بعدم استفادة الترتيب من الآية الشريفة أصلًا ؛ لوقوع العطف فيها بالواو ، وهي لا تدلّ على الترتيب ، كما قد قرّر في محلّه « 4 » .
ثمّ إنّه لو نوقش في استظهار ذلك من الآية الشريفة ، فلا أقلّ من تساوي الاحتمالين ، من دون ترجيح لأحدهما على الآخر ؛ إذ لا ترجيح للعطف على
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه في الصفحة السابقة .
( 2 ) في ص 531 - 536 .
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 : 92 - 93 .
( 4 ) راجع مغني اللبيب 1 : 569 ( الواو المفردة ) .