أفتاكم بما أنزل الله في ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول : صدق
علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله في ، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا ، فهل فيكم
أحد يعلم ما نزل فيه ؟ ولولا آية في كتاب الله عز وجل لأخبرتكم بما كان وبما يكون ،
وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم
الكتاب ) ( 1 ) .
ثم قال : ( عليه السلام ) : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لو
سألتموني عن أية آية ، في ليل أنزلت ، أو في نهار أنزلت ، مكيها ومدنيها ، سفريها
وحضريها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها ، إلا أخبرتكم .
فقال إليه رجل يقال له ذعلب ، وكان ذرب اللسان ، بليغا في الخطب ، شجاع
القلب ، فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة ، لأخجلنه اليوم لكم في مسألتي
إياه .
فقال : يا أمير المؤمنين ، هل رأيت ربك ؟ فقال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي
أعبد ربا لم أره .
قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا . قال : ويلك ! لم تره العيون بمشاهدة الابصار ، ولكن
رأته القلوب بحقائق الايمان ، ويلك يا ذعلب ، إن ربي لا يوصف بالعبد ولا بالحركة ولا
بالسكون ، ولا بقيام - قيام انتصاب - ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف
باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل
الجلالة لا يوصف بالغلظ ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا
بمجسة ( 2 ) ، قائل لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارج منها على غير
مباينة ، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه ، أمام كل شئ ولا يقال له أمام ، داخل في
الأشياء لا كشئ في شئ داخل ، وخارج منها لا كشئ من شئ خارج . فخر ذعلب
هامش
( 1 ) الرعد 13 : 39 .
( 2 ) المجسة : ما يجس به .