فصل في تدبير الصحة بالنوم واليقظة
المقدار المعتدل من النوم يبطن فيه الحار الغريزي فيقوي الهضم وتستريح به القوى النفسانية ويزول كلالها ( « 1 » ) وتعود إلى النشاط وينحسم به التحلل المؤدي إلى الجفاف وتتمكن به القوى الطبيعية من الهضم والانضاج والدفع ، ويحد الرأي ويجود الذكر ، وإذا صادف النوم المعتدل خلطاً معتدلًا في الكم والكيف رطب البدن ، وهو نافع للمشايخ والمستسهلين والمستكثرين من الجماع مزيل للاعياء . وأفضل النوم ما كان غالباً غرقاً ؛ ولذلك نوم النهار رديء لسرعة الانتباه وكونه لا يقع غالباً وهو أعني نوم النهار مولد للامراض الرطبة يرخي العصب ويفسد اللون ويولد الأورام والحميات .
وأصلح أوقات الابتداء بالنوم عقيب هضوم الطعام والنوم اثر الطعام يثير النفخ والقراقر ويكثر تراقي الأبخرة إلى الدماغ مع امتناع جهة التحلل لغؤر القوة النفسانية إلى باطن وتخليها عن توجيه الافعال إلى ظاهر من منافع الحواس ؛ ولذلك يجب إذا أكل الطعام يتمشى عليه خطوات حتى يستقر في معدته ويدافع النوم بقدر ما ينهضم الطعام بعض الهضم ويقل تراقي الأبخرة الرطبة والنوم يتمم هضمه ويجوده ، ولا يجوز أن يجبر الإنسان نفسه على النوم وهي يقظة ذكية ، ولا يتكلف السهر والنفس قد استرخت وتبلدت . وربما جلب النوم على الامتلاء تململًا يسوء به الهضم لتبلد القوة بالاستيقاظ المزعج .
والنوم على الخوى ( « 2 » ) رديء مضعف للقوة مهيء لانصباب المرار إلى المعدة وتعرضه للاحتراق ، وإن كانت المعدة بلغمية رطبة ربما لم يضرها ذلك .
وبالجملة فكل فضلة تنصب إلى المعدة أو تتخلف فيها عن الهضوم لا تتمكن من اجادة هضمها إلّا بمخالطة ما يرد عليها من الأطعمة خاصة إذا كان الطعام مصلحا للفضلة الكائنة في المعدة .
أما هيئته فيجب أن يكون مرقده وثيراً عالي الوسادة فإنه يعين على سرعة انحدار الطعام من الجوف ، وأن ينام أولًا على الجانب اليمين لتلاصق
هامش
( 1 )
( ) أي : ضعفها .
( 2 )
( ) أي : الجوع .