. . . . . . . . . .
شرح
ويندفع الثاني : بما ذكرناه في الأصول من أن الأحكام الشرعية - ومنها الطهارة والنجاسة - هي أمور اعتبارية كالملكية ، والزوجية ، ونحوهما ، فلا تكون قابلة للشدة والضعف ، فلا يصح أن يقال : إن ملكية الدار أشد وأقوى من ملكية الكتاب مثلا ، أو إن زوجية فلان أشد من زوجية آخر ، لأن الأمر الاعتباري فعل من أفعال النفس ، يقوم بها قياما صدوريا ، فيكون أمره دائرا بين الوجود والعدم ، لا الشدة والضعف .
نعم بعض الأمور الواقعية يكون قابلا لذلك ، وهو ما يقع فيه الحركة ، كمقولة الكيف مثل الألوان فإن سواد جسم يمكن أن يكون أشد من سواد جسم آخر ، إلا أنا قد برهنا في محله : أن الطهارة والنجاسة الشرعيتين ليستا من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع كما زعم ، بل هما من الأحكام الشرعية ، والأمور الاعتبارية التي لا تكون قابلة للشدة والضعف .
نعم يمكن أن يكون الاعتبار متعلقا بالمرتبة الشديدة من الشيء ، كما يمكن أن يتعلق بالمرتبة الضعيفة منه ، فتكون الشدة أو الضعف ملحوظة في المعتبر لا في الاعتبار ، وبهذه الملاحظة لا مانع عقلا من اعتبار الطهارة الشديدة في الماء ، إلّا أنه مع ذلك لا يصح القول بأن طهارة الماء أشد من طهارة غيره ، فإن الطهارة الشرعية لم يتحصل للشدة فيها معنى معقول .
نعم النجاسة قابلة لذلك ، فتكون النجاسة في بعض النجاسات أقوى وأشد من النجاسة في غيره ، كما ورد التعبير بالأنجس في الكلب في بعض الروايات .
فإن قيل : لعل شدة الطهارة في الماء من جهة عدم انفعاله بملاقاة النجاسة ، وهذا بخلاف غيره من الأجسام الطاهرة .
فإنه يقال إنه لو تم لاختص ببعض المياه ، وظاهر الآية المباركة الواردة في مقام الامتنان وصريح بعض الروايات ، إن الماء طهور بجميع أفراده ، على أن عدم انفعال الجسم الطاهر بملاقاة النجاسة لو صحح صدق الطهور عليه ، لصح