وأما البيت الآخر ، وهو :
خرقاء يلعب بالعقول حبابها * كتلعّب الأفعال بالأسماء
فليس بمنكر ، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه ؟ ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال ، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقلّ حالاتها ، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك ؟
وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه ، وهو قوله :
عوامل رزق أعربت لغة الرّدى * فجسم له خفض ورأس له نصب
فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب ، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز ، وهو من مستحسنات المعاني ، هذا من أعجب الأشياء ! ! .
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم :
وفتى من آزن * فاق أهل البصرة
أمّه معرفة * وأبوه نكره
وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته ؟ .
وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال :
قال حمار الطّبيب توما * لو أنصفوني لكنت أركب « 1 »
لأنّني جاهل بسيط * وراكبي جهله مركّب
وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة ، وجمع بين خفة السخرية ووقار
هامش
( 1 ) يروى هذان البيتان في كثير من كتب الأدب على هذا الوجه ، ووقع في بعضها « قال حمار الحكيم توما » وفي بعضها « قال حمار الحكيم يوما » .