فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب ، وكان ينبغي له - على ما ذكره ابن سنان - أن يترك ذلك ولا يستعمله ، حيث فيه لفظتا « الخطأ » و « العمد » اللتان هما من أخصّ ألفاظ الفقهاء .
وكذلك قول أبي الطيب المتنبي « 1 » :
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما * ردّ الإله نفوسهم والأعصرا « 2 »
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما * وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وهذا من المعاني البديعة ، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة « فذلك » التي هي من ألفاظ الحساب ، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه ، وهذا محض الخطأ وعين الغلط .
وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله :
مودّة ذهب أثمارها شبه * وهمّة جوهر معروفها عرض
فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلمين ، بل لأنه في نفسه ركيك ؛ لتضمنه لفظة « الشبه » فإنها لفظة عامية ركيكة ، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته ، ورب قليل أفسد كثيرا ، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما ، ولا ركاكة عليهما .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا الفضل محمد بن العميد ، وأولها قوله :باد هواك صبرت أم لم تصبرا * وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى( 2 ) قبل هذا البيت قوله :من مبلغ الأعراب أنّي بعدها * شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافني * من ينحر البدر النّضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه * متملّكا متبدّيا متحضّرا