نادت بي اللّذّات ويحك فانتهز * فرص المنى يا أيّها المغرور
مل بي إلى جور السّقاة فإنّني * أهوى سقاة الكأس حين تجور
هذا ، وكم لي بالجنينة سكرة * أنا من بقايا شربها مخمور
باكرتها وغصونها مغروزة * والماء بين مروزها مذعور
في ستّة : أنا ، والنّديم ، وقينة ، * والكأس ، والمزمار ، والطّنبور
هذه الأبيات حسنة ، وخروجها من شدق هذا الرجل الخبّاز عجيب ، ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ديوانه .
والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى ، والتخلص بالنسبة إليه قطرة من بحر ؛ ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى المقتضب من شعره .
فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها « 1 » :
يا كثير النّوح في الدّمن
وهذه القصيدة هي عين شعره والملاحة للعيون ، وهي تنزل منه منزلة الألف لا منزلة النون ، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح ، بل اقتضبه اقتضابا ؛ فبينا هو يصف الخمر ويقول :
فاسقني كأسا على عذل * كرهت مسموعه أذني
من كميت اللّون صافية * خير ما سلسلت في بدني
ما استقرّت في فؤاد فتى * فدرى ما لوعة الحزن
هامش
( 1 ) هذا صدر المطلع ، وعجزه قوله :لا عليها بل على السّكنوهي قصيدة له يمدح فيها أمير المؤمنين الرشيد ، وانظر معاهد التنصيص ( ص 638 ) .