وكذلك قوله أيضا ، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات ؛ وهو في قصيدته التي أولها :
سرب محاسنه حرمت ذواتها « 1 »
فقال في أثنائها :
ومطالب فيها الهلاك أتيتها * ثبت الجنان كأنّني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها * أقوات وحش كنّ من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنّما * أيدي بني عمران في جبهاتها
الثّابتين فروسة كجلودها * في ظهرها والطّعن في لبّاتها
فكأنّها نتجت قياما تحتهم * وكأنّهم ولدوا على صهواتها
تلك النّفوس الغالبات على العلا * والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها الّتي سقت الورى * بيدي أبي أيّوب خير نباتها
فانظر إلى هذين التخلصين البديعين ؛ فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح ، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح ، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب .
وعلى هذا جاء قوله « 2 » :
إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك * وإن قلت لم أترك مقالا لعالم « 3 »
هامش
( 1 ) هذا صدر مطلع قصيدة يمدح فيها أبا أيوب أحمد بن عمران ، وعجزه قوله :داني الصّفات بعيد موصوفاتها( 2 ) البيتان من قصيدة له يمدح فيها أبا محمد الحسن بن عبيد اللّه بن طغج ، وكان أبو محمد قد كثرت مراسلاته إلى أبي الطيب من الرملة ، فسار إليه ، فلما دخل الرملة أكرمه أبو محمد فمدحه بهذه القصيدة ، وهي أول ما قاله أبو الطيب فيه ، ومطلعها قوله :أنا لائمي إن كنت وقت اللّوائم * علمت بما بي بين تلك المعالم( 3 ) في الديوان « لم أترك مصالا لصائل » وتقول : صال عليه ؛ إذا استطال عليه ، وصال عليه أيضا ؛ إذا وثب عليه . والمصال : اسم مكان من الصولة .