فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة :
إن لم تكن نصلا فغمد نصال « 1 »
وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به ؛ فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ذكره ، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوّه صورته ؛ فإن الفرزدق رثى امرأته فقال « 2 » :
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح * عليه ولم أبعث إليه البواكيا « 3 »
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة * لو انّ المنايا أمهلته لياليا « 4 »
وهذا حسن بديع في معناه ، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية ، ولا أفخم شأنا ، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى ، وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها ، وأبقى هذه الرموز في تأليفها .
وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب طريق الكناية فأخطأ حيث قال « 5 » :
هامش
( 1 ) هكذا ورد هذا الشاهد في ا ، ب ، ج ، د ؛ وهو بهذه الصورة غير ما في ديوان الشريف الرضي ( 2 - 677 ) والبيت بتمامه هكذا :إلّا يكن نصلا فغمد نصول * غالته أحداث الزّمان بغول
أو لا يكن بأبي شبول ضيغم * تدمى أظافره فأم شبولوهو مطلع قصيدة يعزي فيها أبا سعد علي بن محمد بن أبي خلف عن وفاة أخته .
( 2 ) البيتان أول كلمة له يقولها وقد ماتت جارية له وهي حبلى ، وبعدهما قوله :ولكن رأيت الدّهر يعثر بالفتى * ولا يستطيع ردّ ما كان جاثيا( 3 ) في الديوان « وعمد سلاح » .
( 4 ) « لو » هذه هي الدالة على التمني ، أو هي شرطية جوابها محذوف : أي لو أمهلته المنايا لظهر فضله . وفي ا ، ب ، ج « وفي جوفه في دارم » وما أثبتناه هو الصواب ، ودارم : قوم الفرزدق .
( 5 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا أيوب أحمد بن عمران ، وأولها قوله :سرب محاسنه حرمت ذواتها * داني الصّفات بعيد موصوفاتهاوأعجب لذوق المتنبي وغلظ طبعه وفساد اختياره ! كيف يجعل هذا الكلام في قصيدة من قصائد المدح ؟ .