فقال هشام : ولم ذلك ؟ قال :
إنّه قد رام منّي خطّة * لم يرمها قبله منّي أحد
قال : ما هي ؟ قال :
راح جهلا بي وجهلا بأبي * يدخل الأفعى على حبس الأسد
قال : فضحك هشام ، وقال : لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك .
ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي نواس في الهجاء :
إذا ما كنت جار أبي حسين * فنم ويداك في طرف السّلاح
فإنّ له نساء سارقات * - إذا ما بتن أطراف - الرّماح
سرقن وقد نزلت عليه أيري * فلم أظفر به حتّى الصّباح
فجاء وقد تخدّش جانباه * يئنّ إليّ من ألم الجراح
فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن .
وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه ، كقول نصيب :
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا يروى عن الجاحظ ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة ؛ فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز حمله على جانب المجاز ، وهاهنا لا يصح ذلك ، ولا يستقيم ؛ لأن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا ، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية ، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه « 1 » .
وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية ، فإنه لا يحسن استعماله ؛ لأنه عيب في الكلام فاحش ، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه .
هامش
( 1 ) في البيت على هذا التفسير استعارة مكنية أو مجاز عقليّ .