ومن باب الإيجاز الذي يسمى التقدير قول علي بن جبلة :
وما لامرئ حاولته عنك مهرب * ولو حملته في السّماء المطالع
بلى هارب ما يهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصّبح ساطع
فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه ؛ فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ملكه وعموم سلطانه ، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله ، وإن صعد السماء ، ثم ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب ، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء ، وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته ، ولا قصرت عنه .
ومن هذا الضرب قول أبي نواس « 1 » ، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع :
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا * بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جرّ الزّقاق على الثرى * وأضغاث ريحان جنيّ ويابس
حبست بها صحبي فجدّدت عهدهم * وإنّي على أمثال تلك لحابس
تدار علينا الرّاح في عسجديّة * حبتها بأنواع التّصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها * مها تدّريها بالقسيّ الفوارس « 2 »
فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس
ومما انتهى إليّ من أخبار ابن المزرع قال : سمعت الجاحظ يقول : لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس ، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلاق فقال : واللّه يا أبا عثمان إن هذا لهو الشعر ، ولو نقر لطن ، فقلت له : ويحك ! ! ما تفارق عمل
هامش
( 1 ) في الديوان ( ص 295 ) وقد ترك المؤلف بيتين يقعان بين الثالث والرابع فيما ذكره ، وهما قوله :ولم أدر منهم غير ما شهدت به * بسرقيّ ساباط الدّيار البسابس
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا * ويوما له يوم التّرحّل خامس( 2 ) في ا ، ب ، ج « قرار بها كسرى » وهو تحريف ، وما أثبتناه عن الديوان والمها : اسم جنس جمعي واحده مهاة ، وهي البقرة من أبقار الوحش ، وتدريها . تختلها لتصطادها .