تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي :
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها * فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر
وهذا يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما : أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضّي الأوقات مدّة الوصال ، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء ؛ والآخر : أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات ، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية ، وهذا من باب وضع المضاف إليه مكان المضاف ، كقوله تعالى :
« وسئل القرية »
أي أهل القرية . ومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من جملة قصيدته التي أولها :
أوه بديل من قولتي واها
فقال :
لو فطنت خيله لنائله * لم يرضها أن تراه يرضاها
وهذا يستنبط منه معنيان غيران : أحدهما : أن خيله لو علمت مقدار عطاياه ؛ لأن عطاياه أنفس منها ، والآخر : أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت ذلك ؛ إذ تكره خروجها عن ملكه ، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما وإنما المذكور منهما أحدهما . وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كاف لمن عنده ذوق وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها .