تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فإن قيل : إن هذا الكاتب تأسّى فيما ذكره بكلام اللّه تعالى حيث قال :
« الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح »
فمثل نوره بطاقة فيها ذبالة ، وقال اللّه تعالى :
« والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم »
فمثل الهلال بأصل عذق النخلة . فالجواب عن ذلك أني أقول : أما تمثيل نور اللّه تعالى بمشكاة فيها مصباح فإن هذا مثال ضربه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويدلّ عليه أنه قال :
« يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية »
وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا ، وذاك أن قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما ألقى فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها ؛ وبما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربيّة فإنها عبارة عن ذات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب ، وأما زيت هذه الزجاجة فإنه مضيء من غير أن تمسّه نار ، والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية ، من الأكدار ، منيرة من قبل مصافحة الأنوار ؛ فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية . وأما الآية الأخرى فإنه شبّه الهلال فيها بالعرجون القديم ، وذلك في هيئة نحوله واستدارته ، لا في مقداره ؛ فإن مقدار الهلال عظيم ، ولا نسبة للعرجون إليه ، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة ، لا مقدارا . وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق ؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار ، لا في هيئة والشكل ، وهذا غير حسن ولا مناسب ، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة ، فأخطأ من جهة ، وأصاب من جهة ، لكن خطؤه غطّى على صوابه . والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره ، وهو : أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد ؛ فإن هذا قول غير حاصر للغرض المقصود ؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح ، وتارة في معرض الذم ، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم ، وإنما يأتي قصدا للإبانة والإيضاح ، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر ، كما ذهب إليه من ذهب ، بل القول الجامع في ذلك أن
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 380 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي