تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
تستعين بها على كشف الغمّاء ، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء ، وجيشه أخو الجيش السليماني فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء ، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار ، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار ؛ فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم ، وإذا نظر إلى أشكالها قيل إنها أهلة غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم ، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى في جيادها ، ويستكثر من قيادها ، وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره ، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها ولكن قتلها بخبره ، وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه وزحمتها مناكبه ، وممن يذل الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه ، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرئاسة ، وإن كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة ، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه . واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في عمله ، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله ، وذلك هو قسم الغنائم فإن الأيدي قد تداولته بالإجحاف ، وخلطت جهادها فيه بغلولها فلم ترجع بالكفاف ، واللّه قد جعل الظلم في تعدّي حدوده المحدودة ، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة ، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه وبأسه شر بأس ، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثم نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس ، والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه ، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه ، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما ، وطعاما ذا غصة وعذابا أليما . فتصفح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات ، بل آيات محكمات ، وتحبب إلى اللّه وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها ، وابن لك منها مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها ، وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها ، وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه ، وسأل فيها خيرة اللّه التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه ، ثم قال : اللهم إني أشهدك على من قلدته شهادة تكون
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 232 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي