مسّتهم الضراء فصبروا ، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا ، وينبغي أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقا ، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا ، وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهمّ الذي يستقبل ولا يستدبر ، ويستكثر منه ولا يستكثر ، وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال ، ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال ، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخا ، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا ، ومن صفاته أنه العمل المحبوّ بفضل الكرامة ، الذي ينمي بعد صاحبه إلى يوم القيامة ، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق ، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو المختص دونها برتبة الخلوق ، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان ، ولما جعل اللّه الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان ، وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى ، والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا ، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس الجار ، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار ، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا ، أو تطرق أرضه مماسيا أو مصابحا ، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير ، وأن تحكم فيها بحكم اللّه الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنّضير ، وعلى الخصوص البيت المقدس فإنه تلاد الإسلام القديم ، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم ، والذي توجّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم ، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته ، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته ، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه ، وتبدّل صعب قياده بسمحه ، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه ، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده ، أو متهدما فرفعت قواعده ، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة ، وخطة مخوفة ، والعدو قريب منه على بعده ، وكثيرا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده ، فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها ، ويكون قتالها لأن تكون كلمة اللّه هي العليا لا لأن يرى مكانها ، وحينئذ يصبح كل منها وله من الرجال أسوار ، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار ، ومع هذا لا بد لها من أصطول يكثر عدده ، ويقوي مدده ، فإنه العدة التي
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 231
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص٢٣١