تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الإعظام لأكابرهم ، والاشتمال على أصاغرهم ؛ واجب متضاعف الوجوب عليه ، متأكد اللزوم له ، ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداث لم يحتنكوا عليه ، وجذعان لم يقرحوا ، ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم ، ويغضّ من أحسابهم ، عذلهم وأنّبهم ، ونهاهم ووعظهم ، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم ، والمقصد فيهم ، وإن أصرّوا وتتابعوا أنالهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع ؛ فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ما يلذع ويوجع ، من غير تطرّق لأعراضهم ، ولا امتهان لأحسابهم ؛ فإن المغرض منهم الصيانة ، لا الإهانة ، والإدالة ، لا الإذالة ، وإذا وجبت عليهم الحقوق ، أو تعلقت بهم دواعي الخصوم ، قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب ، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس ، ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره اللّه تعالى فيها ، بعد أن تثبت الجرائم وتصح ، وتبين وتتضح ، وتتجرد عن الشك ، وتتجلى من الظن والتهمة ، فإنّ الذي يستحب في حدود اللّه عز وجل أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة ، وأن تمضى عليهم مع قيام الدليل والبينة ؛ قال اللّه عز وجل :
ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون
. وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر ، والشرف الأفخر ، عن أن يدّعيه الأدعياء ، أو يدخل فيه الدّخلاء ، ومن انتمى إليه كاذبا ، أو انتحله باطلا ، ولم يوجد له بيت في الشجرة ، ولا مصداق عند النسابين المهرة ، أوقع به كذبه وفسقه وشهره شهرة ينكشف بها غشه ولبسه ، وينزع بها غيره ممن تسوّل له ذلك نفسه ، وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس كفؤا لها في شرفها وفخرها ، حتى لا يطمع في المرأة الحسيبة النسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا ، ونظيرا موازيا ، فقد قال اللّه تعالى :
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا
. وأمره بمراعاة متبتّلي أهله ومتهجديهم ، وصلحائهم ومجاوريهم ، وأراملهم وأصاغرهم ، حتى تستد الخلّة من أحوالهم ، وتدرّ المواد عليهم وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم ، وأن يزوج الأيامى ، ويربي اليتامى ، وليلزمهم المكاتب فيتلقنوا القرآن ، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان ، ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب ؛ فإن شرف الأعراق ، محتاج إلى شرف الأخلاق ، ولا حمد لمن شرفه حسبه ، وسخف أدبه ، إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل بفضل سعي ولا
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 207 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي