تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
أكل ، ولا نطق ولا استهلّ ، ومثل ذلك يطلّ » فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسجعا كسجع الكهّان » أي : أتتّبع سجعا كسجع الكهان « 1 » . وكذلك كان الكهنة كلهم ؛ فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام مسجوعا ، كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة ، فإنه قال لما امتحن قبل السؤال عن قصتها : « ثمرة في كمرة » فقيل له : نريد أبين من هذا ؟ فقال : « حبّة برّ في إحليل مهو » والحكاية مشهورة ، فلهذا اختصرناها هاهنا . وكذلك قال سطيح ؛ فإنه قال : عبد المسيح ، جاء إلى سطيح ، وهو موف على الضريح ، لرؤيا الموبذان ، وارتجاس الإيوان ، وأتم الكلام إلى آخره مسجوعا ؛ والحكاية مشهورة أيضا فلهذا اختصرناها . فالسجع إذا ليس بمنهي عنه ، وإنما المنهيّ عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسجعا كسجع الكهّان » أي : أحكما كحكم الكهان ، وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به ؛ لأنه قال : « أأدي من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهلّ ، ومثل ذلك يطل » وهذا كلام حسن من حيث السجع ، وليس بمنكر لنفسه ؛ وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة . واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام ؛ والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء ، والنفس تميل إليه بالطبع ، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط ، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد ؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجّاعا ، وما من أحد منهم ولو شدا شيئا يسيرا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظا مسجوعة ، ويأتي بها في كلامه ، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنّانة رنّانة ، لا غثّة ولا باردة ، وأعني بقولي غثة باردة أنّ صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة ، وما يشترط لها من الحسن ، ولا إلى تركيبها وما
هامش
( 1 ) في بعض النسخ ( أأتبع سجعا كسجع الكهان ) .