تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وجدناها تارة تكتسى حسنا ، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها ، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها . واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلا ، كقوله تعالى :
ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر
وكقوله تعالى :
إن المجرمين في ضلال وسعر
وكقوله تعالى :
وكل شيء فعلوه في الزبر
فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية ، وليس بها من ثقل ولا كراهة ، وكذلك ورد قول أبي تمام « 1 » :
نفس يحتثّه نفس * ودموع ليس تحتبس ومغان للكرى دثر * عطل من عهده درس شهرت ما كنت أكتمه * ناطقات بالهوى خرس
فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة مضمومات كلها ، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها ، ولا ينبو السمع عنها . وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه ؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلا ، فإذا شذ عن ذلك شيء يسير لا ينقض الأصل المقيس عليه .

القسم الثاني : الألفاظ المركبة :

قد قدّمنا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة ، وما يختص بها ، وأما إذا صارت مركبة فإن لتركيبها حكما آخر ؛ وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات والامتزاجات ما يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة ، ومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من ذوات القيم الغالية فألّفها ، وأحسن الوضع في تأليفها ؛ فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت منثورة مبدّدة ، وفي عكس ذلك من يأخذ لآلئ من ذوات القيم الغالية فيفسد تأليفها ؛ فإنه يضع من حسنها ، وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد التأليف ؛ وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه ، والعناية به .
هامش
( 1 ) هي أبيات في الغزل مذكورة في ديوانه ( 448 بيروت ) وليس معها شيء .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 194 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي