تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
« استحيوا من اللّه حقّ الحياء » قلنا : إنا لنستحيي من اللّه يا رسول اللّه ، قال : « ليس ذلك ، ولكن الاستحياء من اللّه أن تحفظ الرّأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدّنيا » . ومن ذلك ما رواه عبد اللّه بن سلام فقال : لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما تبيّنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذّاب ، فكان أول شيء تكلم به أن قال : « أيّها النّاس ، أفشوا السّلام ، وأطعموا الطّعام ، وصلّوا باللّيل والنّاس نيام ، تدخلوا الجنّة بسلام » . فإن قيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لبعضهم منكرا عليه وقد كلمه بكلام مسجوع : « أسجعا كسجع الكهّان » ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فالجواب عن ذلك أنا نقول : لو كره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم السجع مطلقا لقال : « أسجعا » ثم سكت ، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان ، فلما قال : « أسجعا كسجع الكهان » صار المعنى معلقا على أمر ، وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه ، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان ، لا غير ، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق ، وقد ورد في القرآن الكريم ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم قد نطق به في كثير من كلامه ، حتى إنه غيّر الكلمة عن وجهها اتباعا لها بأخواتها من أجل السجع ، فقال لابن ابنته عليهما السلام : « أعيذه من الهامّة ، والسّامّة ، وكلّ عين لامّة » وإنما أراد ملمة ، لأن الأصل فيها من ألمّ فهو ملم ، وكذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ارجعن مأزورات غير مأجورات » وإنما أراد موزورات من الوزر ، فقال : « مأزورات » لمكان مأجورات ، طلبا للتوازن والسجع ، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع . على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر ؛ فإن الوهم يسبق إلى إنكاره ، يقال : فما سجع الكهّان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ والجواب عن ذلك : أن النهي لم يكن عن السجع نفسه ، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع ؛ ألا ترى أنه لما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنين بغرة عبد أو أمة قال الرجل : « أأدي من لا شرب ولا