تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
الذي أشرت إليه أيضا فيما تقدم ، الثالثة : أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى ، لا المعنى تابعا للفظ ، الرابعة : أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلّت عليه أختها ؛ فهذه أربع شرائط لا بدّ منها . وسأورد هاهنا من كلامي أمثلة تحذي حذوها ، فإني لما سلكت هذه الطريق وأتيت بكلامي مسجوعا توخّيت أن تكون كل سجعة منه مختصة بمعنى غير المعنى الذي تضمنته أختها ، ولم أخلّ بذلك في مكاتباتي كلها ، وإذا تأملتها علمت صحة ما قد ذكرته . فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة ، وهو : الخادم واقف موقف راج هائب ، لازم بكتابه هذا وقار حاضر عن شخص غائب ، موجّه وجهه إلى ذلك الجناب الذي تقسم فيه أرزاق العباد ، ويتأدب به الزمان تأدّب ذوي الاستعباد ، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود كما تستغني بنسبها إليه عن شرف الأجداد ، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره ، وأحظاها من النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوب من عمره ، وهذا القول يقوله وكل ما جد فيه حاسد ، وبتأميله راكع ساجد ، والديوان العزيز محسود الاقتراب ، وهو موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب ، وما ينافس في القرب من أبوابه الكريمة إلا ذوو الهمم الكريمة ، وقد ودّت الكواكب بأسرها أن تكون له منادمة فضلا عن ندماني جذيمة . ومن ذلك ما كتبته من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس ، وهو : الكريم من أوجب لسائله حقّا ، وجعل كواذب آماله صدقا ؛ وكان خرق العطايا منه خلقا ، ولم ير بين ذممه وبين رحمه فرقا ، وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه اللّه من فضله على وتيرة ، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة ، وأوطأه من كل مجد سريرا كما بوّأه من كل قلب سريرة ، ولا زالت يده بالمكارم جديرة ، ومن الأيام مجيرة ، ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة ، ولا برحت تستولد عقائم المعاني وتستجد أبنيتها حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة ، ومن صفات كرمه أنه