تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وأهلك إذ يحلّ الحيّ نجدا * وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا * بأنصاف لهنّ ولا سرار فأمّا ليلهنّ فخير ليل * وأطيب ما يكون من النّهار
ومما ترقص الأسماع له ، ويرن على صفحات القلوب ، قول يزيد بن الطّثريّة في محبوبته من جرم :
بنفسي من لو مرّ برد بنانه * على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كلّ شيء وهبته * فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
وإذا كان هذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة ، ولا يأكل إلا ضبّا أو يربوعا ، فما بال قوم سكنوا الحضر ، ووجدوا رقة العيس ، يتعاطون وحشيّ الألفاظ ، وشظف العبارات ، ولا يخلد إلى ذلك إلا إما جاهل بأسرار الفصاحة ، وإما عاجز عن سلوك طريقها ؛ فإنّ كل أحد ممن شدا شيئا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام ، وذاك أنه يلتقطه من كتب اللغة ، أو يتلقّفه من أربابها ، وأما الفصيح المتّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه ، ولو قدر عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه . فإن ماري في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان مشارا إليه حتى يعلم صحة ما ذكرته . هذا ابن دريد ، قد قيل : إنه أشعر علماء الأدب ، وإذا نظرت إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطّا ، مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه . هذا العباس بن الأحنف ، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين ، وشعره كمرّ نسيم على عذبات أغصان ، وكلؤلؤات طل على طرر ريحان ، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة ، فمن ذلك قوله :
وإنّي ليرضيني قليل نوالكم * وإن كان لا أرضى لكم بقليل