فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغر من هؤلاء القوم ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا ؟ فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها .
وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها ؛ فمنها ألّا تكون الكلمة وحشيّة ، وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر ، وظنوه المستقبح من الألفاظ ، وليس كذلك ، بل الوحشيّ ينقسم قسمين : أحدهما : غريب حسن ، والآخر : غريب قبيح ، وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار ، وليس بأنيس ، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال ، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحا ، بل أن يكون نافرا لا يألف الإنس ؛ فتارة يكون حسنا ، وتارة يكون قبيحا ، وعلى هذا فإن أحد قسمي الوحشي - وهو الغريب الحسن - يختلف باختلاف النّسب والإضافات ؛ وأما القسم الآخر من الوحشي الذي هو قبيح فإن الناس في استقباحه سواء ، ولا يختلف فيه عربي باد ولا قروي متحضّر ، وأحسن الألفاظ ما كان مألوفا متداولا إلا لمكان حسنه ، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الفصاحة ؛ فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونقّبوا عنها ، ثم عدلوا إلى الأحسن منها فاستعملوه ، وتركوا ما سواه ، وهو أيضا يتفاوت في درجات حسنه ؛ فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام :
قسمان حسنان ، وقسم قبيح ؛ فالقسمان الحسنان أحدهما : ما تداول استعماله الأول والآخر ، من الزمن القديم إلى زماننا هذا ، ولا يطلق عليه أنه وحشي ، والآخر : ما تداول استعماله الأول دون الآخر ، ويختلف في استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله ، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب ؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيّا ، وهو عندنا وحشي ، وقد تضمن القرآن الكريم منه كلمات معدودة ، وهي التي تطلق عليها غريب القرآن ، وكذلك تضمن الحديث النبوي منه شيئا ، وهو الذي يطلق عليه غريب الحديث .
وحضر عندي في بعض الأيّام رجل متفلسف فجرى ذكر القرآن الكريم ، فأخذت في وصفه ، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة ، فقال ذلك الرجل : وأيّ فصاحة هناك وهو يقول :
تلك إذا قسمة ضيزى
؟ فهل في لفظة ( ضيزى ) من الحسن ما يوصف ؟ فقلت له : اعلم أن لاستعمال الألفاظ