تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها ، وما ندري كيف صار القبح حسنا ؛ لأنه لم يتغير من مخارجها شيء ، وذاك أن اللام لم تزل وسطا والميم والعين يكتنفانها من جانبيها ، ولو كان مخارج الحروف معتبرا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في ملع وعلم . فإن قيل : إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق ؛ فإن ذلك انحدار وهذا صعود ، والانحدار أسهل . فالجواب عن ذلك أني أقول : لو استمرّ لك هذا لصح ما ذهبت إليه ، لكنّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق أو من وسط اللسان أو من آخره إلى الحلق لا يتغير ، كقولنا غلب ؛ فإن الغين من حروف الحلق ، واللام من وسط اللسان ، والباء من الشفة ، وإذا عكسنا ذلك صار بلغ ، وكلاهما حسن مليح ، وكذلك تقول : حلم من الحلم ، وهو الأناة ، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت ملح ، على وزن فعل - بفتح الفاء وضم العين - وكلاهما أيضا حسن مليح ، وكذلك تقول : عقر ورقع ، وعرف وفرع ، وحلف وفلح ، وقلم وملق ، وكلم وملك ، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئا كثيرا تضيق عنه هذه الأوراق ، ولو كان ما ذكرته مطردا لكنا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحا ، وليس الأمر كذلك . وأما ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربي فليس ذلك مما يوجب لها حسنا ولا قبحا ، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ فكيف يعدّ ذلك من جملة الأوصاف الحسنة ؟ . وأما تصغير اللفظة فيما يعبر به عن شيء لطيف أو خفيّ أو ما جرى مجراه فهذا مما لا حاجة إلى ذكره ؛ فإن المعنى يسوق إليه ، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها ؛ فإنها مدوّنة في كتب النحو ، وما من كتاب نحو إلا والتصغير باب من أبوابه ، ومع هذا فإنّ صاحب هذه الصناعة مخير في ذلك : إن شاء أن يورده بلفظ التصغير ، وإن شاء بمعناه ، كقول بعضهم :
لو كان يخفى على الرّحمن خافية * من خلقه خفيت عنه بنو لبد
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 160 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي