الرّسن أحقّ برسنه ، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة ، وقلمه بغاثة لا يستنسر « 1 » وأيّ بطش لبغاثة ، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين وجب عليه من سبل ثلاثة ، هذا وهو يدّعي أنه في الفصاحة أمّة وحده « 2 » ، ومن قسّ إياد وسحبان وائل عنده ؟ وإذا كشف عن خاطره وجد بليدا لا يخرج عن العمة والكمة ، وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو أمه ، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء ، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء .
فلما أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، مع إعجابه به ، واستغرابه إياه ، ثم قال : وقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الحديث ، وهو :
« لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال » فهذا أين يستعمل من المكاتبات ؟ .
فتروّيت في قوله تروّيا يسيرا ، ثم قلت : هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة ، وأمليت عليه الكتاب ، فجاء هذا الحديث في فصل منه ، وهو : إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه ، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه ، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان ؛ فهذا يظهر أثره في طاعة السر وهذا في طاعة الإعلان ، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة ، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة ، فليعول الديوان العزيز على سيف من سيوف اللّه يفري بلا ضارب ويسري بلا حامل ، ولا يسلّ إلا بيد حق ولا يغمد إلا في ظهر باطل ، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار ، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار .
هامش
( 1 ) يشير إلى المثل « إنّ البغاث بأرضنا تستنسر » والبغاث - بتثليث الباء - من أجبن الطير وفيه يقول الشاعر :بغاث الطّير أكثرها فراخا * وأمّ الصّقر مقلاة نزور( 2 ) في ج « أمة واحدة » وهو تحريف صيره غير ملائم للقرينة الثانية في السجعة ، وقد جاء في ب على الصواب الذي أثبتناه .