ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفس الشيء ، لأنّ المالكية كلّهم يحرّمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة ، اقتداءً بالإمام مالك الذي قاس الحليب على الخمر ، إذ أنّ « ما أسكر كثيره فقليله حرام » ، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب ، والذي وقع أنّ أحد الحاضرين اختلى بهم ودلّهم على بيتي قائلًا لهم : اسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا ، فإنّه يعرف كل المذاهب ، وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات فيبزّهم بالحجّة البالغة .
هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيّاً عندما أدخلته إلى المكتبة وحكى لي كلّ القضيّة بالتفصيل من أوّلها إلى آخرها ، وقال : ياسيّدي إنّ زوجتي تريد الانتحار وأولادي مهملين ، ونحن لا نعرف حلّاً لهذه المشكلة ، وقد دلّونا عليك ، وقد استبشرت خيراً لمّا رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها ، فعسى أن يكون الحلّ عندك .
أحضرت له قهوة ، وفكّرت قليلًا ثمّ سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة ، فقال : لا أدري ، غير أنّ زوجتي رضعت منها مرّتين أو ثلاث ، وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرّتين أو ثلاث مرّات لتلك العجوز المرضعة ، فقلت : إذا كان هذا صحيحاً فليس عليكما شيء ، والزواج صحيح وحلال محلّل ، وارتمى المسكين عليّ يقبّل رأسي ويدي ويقول : بشّرك اللَّه بالخير ، لقد فتحت أبواب السكينة أمامي ، ونهض مسرعاً ولم يكمل قهوته ، ولا استفسر منّي ، ولا طلب الدليل ، غير أنّه استأذن للخروج حتّى يسرع فيبشّر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته .
لكنّه رجع في اليوم التالي ومعه سبعة رجال وقدمّهم إليّ قائلًا : هذا والدي وهذا والد زوجتي ، والثالث هو عمدة القرية ، والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الديني ، والسادس شيخ العشيرة ، والسابع هو مدير المدرسة وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة ، وبماذا حلّلتها .
مجمع الرسائل ( موسوعة السيد الخوئي ج 49 ) — صفحة رسالة في أحكام الرضاع 168
مساهمون: السيد الخوئي
صرسالة في أحكام الرضاع ١٦٨