المحو ومحو الإثبات على وجه أرفع ، فصورته مقدّسة عن المحو والتّغيّر ، لأنّ نسبة القلم الأعلى إلى هذه الأقلام كنسبة قوّتنا العقليّة إلى مشاعرنا الخياليّة والحسّيّة ، ونسبة اللوح المحفوظ إلى هذه الألواح كنسبة الإرادة الكلّيّة
لمطلوب نوعيّ إلى إرادات جزئيّة وقعت في طريق تحصيله في ضمن واحد منه .
فصل [ معنى حكم الله وقضائه وقدره ]
قد ظهر ممّا ذكرنا معنى حكم الله ( عز وعجل ) وقضائه وقدره ؛ فإنّ تدبيره أصل وضع الأسباب وترتيبها ، لتتوجّه إلى المسبّبات « حكمُه » تعالى ؛ ونصبه الأسباب الكلّيّة الأصليّة الثّابتة المستقرّة الّتي لا تزول ولا تحول ، كالأرض والسّماوات السّبع والكواكب والأفلاك وحركاتها المتناسبة الدّائمة الّتي لا تتغيّر ولا تنعدم ، إلى أن يبلغ الكتاب أجلَه « قضائه ( عز وعجل ) » ، كما قال تعالى
: « فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
» ؛ ( « 1 » ) وتوجيهُ هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدّرة المحسوبة إلى المسبّبات الحادثة منها لحظةً بعد لحظة « قدرُه » .
فالحكم هو التّدبير الأوّل الكلّيّ ، والأمر الأوّليّ الّذي هو كلمح بالبصر ؛ والقضاء هو الوضع الكلّيّ للأسباب الكلّيّة الدّائمة ؛ والقدر هو توجيه الأسباب الكلّيّة بحركاتها المقدّرة المحسوبة إلى مسبّباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره ، والكلّ إنّما يوجد بأمر « كن » ، فإنّ الله ( عز وعجل ) «
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
» ( « 2 » ) بلا حرف ولا صوت ، بل بالمعنى الّذي يليق بجلاله ، فيكون كما أراد .
هامش
( 1 ) - فصّلت : 12 .
( 2 ) - البقرة : 117 .