تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
. . . . . . . . . . . . . . . . -
شرح
وتعبير بعضهم ب « - إن » ليس تخصيصاً قطعاً ، بل هو تعبير عن محل النزاع بما يعبّر به غالباً . وأمّا على الثاني فلأنّ دخول الفاء في الخبر يدلّ على تضمّن الموصول معنى الشرط كما صرّح به أئمة العربيّة فيه ، بل وفي كلّ موصوف ، فيكون المفهوم معتبراً ، ولا يقدح فيه عدم وضعها لمعنى الشرط كالشرطية ؛ إذ العبرة بفهمه مطلقاً ولو بالقرينة لا باستفادته من جهة الوضع بخصوصه . لا يقال : دخول « الفاء » إنّما يقتضي الإيذان بالشرط حتى كأنّ الموصول والموصوف متضمّن له دخيل في معناه ، ولا يقتضي كونه متضمّناً له حقيقة تضمّن كلمات الشرط ، مثل « من » و « ما » و « متى » معنى « إن » الشرطية . ومن ثمّ لم يلتزم فيه الإبهام المعتبر في كلمات الشرط ، بل جاز أن يكون خاصاً ، كما في قوله تعالى :الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ« 1 » المسوق للحكاية عن جماعة خاصّة . وكذا لم يجب أن يعامل معاملة كلمات الشرط من التزام « الفاء » في الجواب ، وكون الصلة فعلًا صريحاً مستقبل المعنى ، فيجوز « الذي يأتيني له درهم » بدون « فاء » على قصد السببيّة . بل يجوز وصله بالظرف وما في معناه ممّا ليس فعلًا صريحاً ، وهو كثير ، بل وبالفعل الماضي كما في الآية . وقول النحاة : يتضمّن الموصول والموصوف معنى الشرط على ضرب من التسامح . لأنّا نقول : دخول « الفاء » دالّ على إرادة الشرط قطعاً باجماع النحاة ؛ لسبقه إلى الذهن . وهذا القدر كافٍ في اعتبار المفهوم المستفاد من فهم أهل العرف الذين لا يفرقون في الدالّ على الشرط صريحاً أو بتضمّنه معنى الشرط ، كما في كلم المجازاة أو بالقرينة لدخول الفاء في الخبر فإنّ جميع ذلك مشترك في الدلالة على مقصود المتكلّم منطوقاً ومفهوماً عرفاً وإن اختلف الدالّ على الاشتراط بالوضع والقرينة . فإن أراد بكون « الفاء » مؤذنة أنّ الدلالة قد استفيدت فهو مسلّم ، لكنّه غير قادح في المطلوب المبنيّ على فهم الاشتراط ولو من القرينة كما عرفت . وإن أراد بكونها مؤذنة أنّها مشعرة لا دالّة كما يقضي به لفظ « الإيذان » فهو : مع كونه خلاف ظاهر جعلهم « الفاء » من أمارات الشرط وأدلّته ، نحو إيذان « اللام » الموطئة للقسم بالقسم - واضح الفساد ؛ ضرورة عدم الفرق في الدلالة عرفاً ، في نحو « من جاءك فأكرمه » بين كونها موصولة أو شرطية . ولا يقدح في ذلك استعمالها غير مبهمة في نحو قوله تعالى :الَّذِينَ فَتَنُوا« 2 » إلى آخرها ؛ لأنّ دخول « الفاء » إنّما يكون قرينة على إرادة الشرط مع إمكانه ، وهو فيما إذا كان خاصّاً ممتنع . كما أنّه لا يقدح عدم المعاملة معاملة أدوات الشرط في التزام الفاء ونحوها مما هي أحكام لفظية لا مانع من أن تتبع وضع اللفظ . بخلاف اعتبار المفهوم فإنّه من توابع المعنى دون اللفظ . بل قد يقال بعد التسليم والتنزيل : إنّه لا ريب في أنّ دخول الفاء مما يتقوى به اعتبار القيد ، وتتأكّد معه الدلالة في مفهوم الوصف . ولا أقلّ من أن يصير به المفهوم متوسّطاً في القوّة والضعف بين مفهومي الشرط والوصف ، كما يظهر بالتدبّر في قول القائل : « الذي يأتيني له درهم » وقوله « الذي يأتني فله درهم » . فإنّك ترى أنّ دلالة الثاني على انتفاء الاستحقاق عند عدم الإتيان أقوى من الأوّل وإن كانت أضعف من قوله : « إن يأتيني أحد فله درهم » . وحينئذٍ فالقول بمفهوم الوصف يقتضي اعتبار المفهوم ؛ لتحقّق الوصف فيه مع زيادة . والقول بعدم اعتباره لا يوجب النفي فيه ؛ لإمكان تأثير الزيادة في الحجّية .
هامش
( 1 ) ( 2 ) البروج : 10 . ( 2 )