وقد جاء فيه :
« بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أن بدأت المشاريع الاستعماريّة تأخذ طريقها للتنفيذ في العالم الإسلامي أدرك الاستعمار أنّ الإسلام يمثّل قلعة التحدّي والصمود في وجه مشاريعه في المنطقة . ومهما حاول الاستعمار أن يغيّر من أساليبه كي يحقّق نجاحاً على القوّة الروحيّة التي زرعها الإسلام في أرضيّة هذه الأمّة ، فإنّ محاولاته باءت بالفشل ، فقد مارس الاستعمار أساليب التبشير المحض والتبشير المقنّع بالعلوم والفنون واستخدم
حركة الاستشراق لتشويه الإسلام وصنع خليطاً من المفاهيم الإسلاميّة ومفاهيم الجاهليّة وكتب للمسلمين تاريخاً جديداً . وتحت ظلّ الاستعمار العسكري لبلاد المسلمين وضع العدوُّ مناهج مسمومة لتربية النشئ على ضوء الفكر الأوروبي ومفاهيم الحضارة الغربيّة محاولًا سلخ الأجيال عن رسالة الإسلام وتأريخه ومجده . . .
وفي المرحلة التي تلت الاستعمار المباشر فرض العدوُّ أنظمة سياسيّة تنفّذ إرادته وتدبّر شؤون المسلمين بالتشريعات الأوروبيّة ، وفي هذه الأثناء سمح الاستعمار بإقامة التيّارات السياسيّة والفكريّة المختلّة لتمزيق الأمّة وصرفها عن إسلامها وأصالتها بشعارات طارئة جوفاء . . . وقد ترافقت هذه المخطّطات مع اتّباع أقسى ألوان العنف لتصفية القوى الإسلاميّة الواعية عبر العديد من الأساليب والوسائل . ومع أنّ الاستعمار وعملاءه قد أفادوا كثيراً من جهل الأمّة وعدم وعي الكثير لأساليب الأعداء وأهدافهم ، فإنّ مرحلة جديدة مفعمة بالأمل والخير والعطاء قد بدأت حين أنتجت الأمّة الإسلاميّة رجالًا يحملون همّ الأمّة والرسالة ويملكون القدرة على التفكير والإنتاج والعطاء . . . وكان أكثر أولئك الرجال تأثيراً في مسيرة الأمّة صنفين :
الصنف الأول : رجالٌ حملوا همّ الرسالة والأمّة ، فاختاروا طريق العمل الاجتماعي السياسي فقاوموا النفوذ الأجنبي وحملوا همّ العودة بالإنسان المسلم إلى رحاب المجتمع الإسلامي والدولة الإسلاميّة كقادة الحركات الإسلاميّة السياسيّة قاطبة .
الصنف الثاني : رجال حباهم الله تعالى القدرة على بلورة المفاهيم الإسلاميّة وطرحها بأسلوب عصري يتلاءم ومتطلّبات العصر وحاجات المسلم المستجدّة . . . والمرجع الشهيد المفكّر العظيم محمّد باقر الصدر طليعة أولئك الأفذاذ الذين شهروا القلم والكلمة في وجه الغزو الاستعماري الفكري فحقّقوا للأمّة خطوات واسعة على طريق الانعتاق . . .
وإزاء هذا التحوّل لصالح الإسلام العظيم وبقيام حركات إسلاميّة واعية في مختلف أقاليم الوطن الإسلامي الكبير وبظهور مفكّرين إسلاميّين مزّقوا جدار الصمت في حياة الأمّة وأعادوا للإسلام إشراقه وجاذبيّته ومكانته في نفوس الفئات المثقّفة . . . أقول إزاء هذا التحوّل الكبير لصالح الإسلام ، شعر الاستعمار بخطورة الموقف ، فعمل جاهداً على إعادة الحياة إلى مجراها لتأمين مصالحه في المنطقة . وبدأت حملات التصفية للحركات الإسلاميّة والمفكّرين الإسلاميّين تأخذ طريقهما للتنفيذ في جميع الأقاليم الإسلاميّة . ولعلّ أكثر الأمور استئثاراً بجهود الاستعمار وأذنابه في المنطقة أن يعمل على تصفية قادة الحركات الإسلاميّة ورجال الفكر في الأمّة . . . وها هي الخطّة تأخذ سبيلها إلى التطبيق منذ سنوات بعد أن ظنّ الاستعمار وعملاؤه بجدواها ، فأصبحت مرتكزاً أساسيّاً لكلّ المخطّطات الاستعماريّة في المنطقة . وتجسيداً للخطة المذكورة فقد عمل الاستعمار على تصفية قادة المسلمين المفكّرين والسياسيّين في كلّ إقليمٍ إسلامي ، فليست عمليّة إعدام الشهيد الغالي المفكّر الإسلامي الكبير السيّد الصدر من قبل السلطة العشائريّة في بغداد هي أوّل عمليّة إجراميّة يرتكبها طغاة الأرض ، إنّما هي مصداق واحد من مصاديق الخطّة الاستعماريّة الرهيبة . . .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 326
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٣٢٦