تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١

غسل الشهادة ووداع الزوجة والأطفال . .

دخل السيّد الصدر ( رحمة الله ) فاغتسل بنيّة غسل الشهادة ، وصلّى لربّه ركعتين ، [ وبدّل ملابسه ] ، ثمّ اتّجه إلى والدته المذهولة والمكروبة ، وأخذ يدها وضمّها إلى صدره بين يديه ، ثمّ رفعها إلى فيه يلثمها في حنوٍّ ، حادباً على أمِّه ، يرجو الرضا والدعاء وطلب التسديد . ثمّ احتضن جميع من في البيت يضمّهم ويقبّلهم ، فعلموا من خلال تصرّفه أنّه الوداع الأخير . وعندما أراد احتضان ابنته الثانية - ابنة الخامسة عشرة - لم تحتمل ذلك وأشاحت بوجهها ، واتّجهت نحو الجدار ، وأحنت رأسها عليه وهي تبكي بكاءً مريراً ، فأحاطها والدها بذراعيه ، وصار يناجيها : « حلوتي ! ابنتي ! [ إنّ كلّ إنسان يموت ، وللموت أسباب عدّة ، فيمكن أن يموت الإنسان بسبب مرض ، أو فجأة على فراشه ، أو غير ذلك ، ولكنّ الموت في سبيل الله أفضل بكثير وأشرف ، ولو أنّني لم أقتل بيد صدّام وجماعته فقد أموت بمرض أو بسبب آخر ] . . إنّ أصحاب عيسى ( ع ) نشروا بالمناشير ، وعلّقوا بالمسامير على صلبان الخشب ، وثبتوا من أجل موتٍ في طاعة . لا تكترثي يا صغيرتي ، فكلّنا سنموت ، اليوم أو غداً ، وإنّ أكرم الموت القتل . بنيّتي ! أنا راضٍ بما يجري عليّ ، وحتّى لو كانت هذه القتلة ستثمر ولو بعد عشرين سنة ، فأنا راض بها » . وبهذه الكلمات انفجر ما كان مكبوتاً في النفوس ، وانهمرت الدموع . وعندما حان دور زوجته السيّدة فاطمة ، ووقف أمامها شاخصاً ببصره إليها ، جمد الدم في عروقها ، وتصلّبت عيناها على محيّاه ، فرأته قد استنار وجهه ، واعتدلت قامته . . اقترب منها وقال لها هامساً : « يا أخت موسى ! بالأمس أخوك ، واليوم النديم والشريك والحبيب ، اليوم أنا . . لك الله يا جنّتي ويا فردوسي « 1 » ، تصبّري ، إنّما هي البيعة مع الله ، قد بعناه ما ليس بمرجوع ، وهو قد اشترى سبحانه . . يا غريبة الأهل والوطن ! حملك ثقيل ، ولك العيال . أسألكِ الحِلّ . . فأولئك هم سود الأكباد على بابكِ ينتظرون ، وما من مفر . . أنا ذاهب ، وعند مليك مقتدر لنا لقاء . . » « 2 » ، ثمّ أوصاها قائلًا : « انتظري ثلاثة أيّام ، فإن لم أعد فاذهبي مع والدتي وأطفالي إلى بيت أخي السيّد إسماعيل في الكاظميّة » « 3 » ،
هامش
( 1 ) تقدّم في مطاوي الكتاب أنّ السيّد الصدر كان يحب مناداة زوجته بهذه الأوصاف ( 2 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 191 - 192 ؛ وما بين [ ] من : من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط ) ( 3 ) بطلة النجف : 104 ؛ أجوبة السيّدة أم جعفر عن أسئلة المصنّف .