تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
« بسم الله الرحمن الرحيم جناب حجّة الإسلام والمسلمين الحاج السيّد كمال مرتضوي دامت بركاته السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو أن تصلكم هذه السطور وأنتم وسائر من يتعلّق بكم في أفضل الأحوال من سائر الوجوه ، كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرعاكم بعظيم لطفه ويديم لكم التأييد والتسديد ، وإنّي أتفقّد أحوالكم وأعتزّ بما أسمع عنكم وعن خدماتكم الجليلة للدّين طبقاً لما أعهده فيكم منذ عرفتكم من صفات الكمال والورع والغيرة على الدين الحنيف . نكتب إليكم هذه الرسالة بمناسبة رسالة شفهيّة وصلتني من سماحتكم بتوسّط الفاضل الألمعي الشيخ عبد الله الخنيزي حفظه الله تعالى ، فقد ذكر لي أنّكم كلّفتموه بتبليغي ملاحظتكم حول الفتوى بطهارة المنتحلين للإسلام ممّن يحكم بكفرهم شرعاً « 1 » وطلبكم منّي الاحتياط في ذلك . وكان بودّنا أن تكتبوا إليّ بذلك ، فإنّي أتلقّى كلّ ما تتفضّلون به بكلّ اعتزاز وتقدير . وعلى أيّ حال فإنّي أثمّن ملاحظتكم الشريفة وأعتزُّ بها لثقتي من ناحية بأنّها نابعة من ذلك المنبع الديني الطاهر الذي يعمر به قلبكم الزكي ، ولما تعبّر عنه الملاحظة من اهتمامكم بهذا الجانب لأنّ النصح والإرشاد بإحسانٍ ورعايةٍ وتفضّل ، فلكم الشكر على ذلك ولا حرمنا المولى سبحانه من أمثالكم ومن نصائحكم وأدعيتكم . غير أنّي أريد أن أشرح لكم بهذه المناسبة واقع الخصوصيّات الدينيّة والملاكات الشرعيّة التي ألحظها في هذا المقام وفي أمثاله ، فإنّي أعرف أنّ مجرّد تماميّة الميزان العلمي والدليل الفقهي على حكم لا يستلزم التصريح به ، وأعرف أنّه في حالة قيام الدليل الشرعي على فتوى مخالفة لما هو المعهود في أذهان المتشرّعة يمكن للفقيه أن لا يبرز تلك الفتوى رعايةً لعواطف جملة من الأخيار والأبرار واجتناباً لما قد يصيبه من تأثّرهم وانكماشهم عنه . أنا أعرف ذلك ، ولكن في مقابل ذلك قد توجد جهات وحيثيّات لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار ، إذ تنعكس عليّ أوضاع الشيعة في مختلف أجاء العالم ومدى ما يمكن أن يكون لفتوى معيّنة من أثر في رفع الحرج عن جملة منهم في جملة من البقاع في الدنيا ، أو من أثر في تأليفه قلوب من حولهم أو دفع الأذى عنهم . فعلى سبيل المثال ، أنا أعرف كثيراً يا عزيزنا المعظّم عن أوضاع الشيعة في عُمان ومسقط ، وهم يعيشون في كنف الخوارج وفي ظلّهم ويقاسون من البناء على نجاسة هؤلاء الشدائد في حياتهم العمليّة والإحراجات المستمرّة ، بل يواجهون في كثير من الأحيان رودو الفعل وعكس العمل من قبل الآخرين ، فإذا تمّ لدى الفقيه الميزان الشرعي للفتوى بالطهارة ، أليس يدعوه وضع أمثال هؤلاء إلى التصريح بذلك رفعاً للحرج عنهم وحفاظاً على كرامتهم . وهكذا الأمر في جملة من المواقع الأخرى ، وكذلك الحال في الغلاة الذين يمكن تقريبهم نحو التشيّع الحقيقي ويكون للتعامل معهم على أساس الطهارة أثرٌ في هذا التقريب ، أفليس هذا الأثر يدعو الفقيه إلى إيثار الإعلان عمّا تمّ عليه الدليل في نظره بينه وبين الله تعالى . وأتذكّر أنّ شخصاً من أجلّة علماء تبريز ومن المحبّين والمخلصين لنا « 2 » قد كتب لنا بعد صدور تعليقتنا على منهاج الصالحين يطلب السكوت عن فتوى طهارة أهل الكتاب وتبديل ذلك بالاحتياط ، وذكر دامت بركاته أنّ جملةً من الأخيار في تبريز تعوّدوا على استخباث أهل الكتاب ونجاستهم ، فهم ينقبضون عمّن يقول بالطهارة . وقد كتبتُ إليه دامت بركاته أنّي أعلم بذلك ولكنّي ألاحظ في نفس الوقت الآلاف ممّن يهاجر إلى بلاد أهل الكتاب ويقعون في محنة من ناحية القول بالنجاسة حتّى حدّثني [ الثقات ] أنّ جملةً من المتديّنين الذين هاجروا إلى هناك تركوا الصلاة وخرجوا تدريجاً من التديّن رأساً لأنّهم يرون النجاسة
هامش
( 1 ) انظر : الفتاوى الواضحة ، ط المؤتمر : 329 - 330 ( 2 ) ربّما يقصد السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي ( رحمة الله ) .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 379 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي