وقوع ذلك ، تذكّر الشيخ أديب حيدر بأنّه كان قد سمع أنّ شخصاً من عائلتهم يملك نفوذاً في سلطة البعث العراقي . وكانت هذه المناسبة هي الأولى التي يتعرّف فيها الشيخ أديب حيدر على زيد حيدر عضو القيادة القوميّة لحزب البعث .
وبعد أن تمّ التضييق على النجف عموماً وعلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) خصوصاً ، فكّر السيّد الصدر ( رحمة الله ) بتحريك السلطة نحو زيارة النجف بهدف التخفيف من حدّة الضغط المخيّم على جوّ النجف ، ومن هذا المنطلق توجّه إلى الشيخ أديب حيدر قائلًا : « هل تستطيع أن تحضر زيد حيدر إلى النجف ؟ ! » ، فقال له : « أنا لا أحبُّ زيارته ، ولكن إذا رغبتم في ذلك أذهب » ، فأوصاه السيّد الصدر ( رحمة الله ) قائلًا : « لا تدعه يعرف أن هناك مرجعيّة أخرى في النجف ، بل قل إنّ المرجع في النجف هو السيّد الخوئي ، وبعد انتهاء زيارته أحضره إليّ » . وكان في نيّتهم أن يقوم زيد حيدر بزيارة السيّد الخوئي والسيّد الخميني ، إلّا أنّ السيّد الخميني ( رحمة الله ) رفض ذلك « 1 » .
وربّما في هذه الحادثة كان الشيخ أديب حيدر يلبس عباءة ( خاجيّة ) وكان فيها بعض الثقوب ، وعندما همّ بالخروج استدعاه السيّد الصدر ( رحمة الله ) وقال له : « إنّ هذه العباءة غير مناسبة للذهاب لهؤلاء الناس ، وأنا لا أريد أن يظهر الطلبة بموقف أضعف ، ويجب أن يكون موقفكم الأعلى » ، فقال الشيخ : « إنّها عباءة جيّدة » ، إلّا أن السيّد ( رحمة الله ) أعطاه اثني عشر ديناراً وقال له : « اذهب إلى الحاج شهيد كي يزوّدك بأجود عباءة » « 2 » .
هامش
( 1 ) حدّثني بذلك الشيخ أديب حيدر بتاريخ 29 / 7 / 2004 م ؛ وانظر : صحيفة لواء الصدر ، العدد ( 444 ) ، 12 / رمضان / 1410 ه - في حديثٍ مع الشيخ أديب حيدر .
( 2 ) صحيفة لواء الصدر ، العدد ( 445 ) ، 19 / رمضان / 1410 ه - في حديثٍ مع الشيخ أديب حيدر . ولم يصرّح الشيخ أديب حيدر بأنّ ذلك كان أثناء زيارته زيد حيدر ، ولكنّنا احتملنا ذلك احتمالًا ، خاصّةً وأنّ ذهابه إلى زيد حيدر كان في شهر آب - أيلول وأنّ عباءة الشيخ أديب كانت صيفيّة ( خاجيّة ) .
وهنا أشير إلى أمور :
1 - حول تاريخ هذه الزيارة : ذكر لي الشيخ أديب حيدر أنّ زيارة زيد حيدر جاءت بعد اعتقال الشيخ عارف البصري ورفاقه سنة 1394 ه - وبهدف الإفراج عنهم . وقريبٌ منه ما ذكره الشيخ عفيف النابلسي ( خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 49 ) . وإذا ضممنا إلى ذلك تصريح السيّد الصدر ( رحمه الله ) في رسالةٍ له إلى السيّد علي رضا الحائري بأنّ اعتقاله كان في شهر رجب ، فهذا يعني أنّ زيارة زيد حيدر كانت بعد رجب / 1394 ه - .
وربّما أيدّ ذلك ما جاء في تقرير المخابرات الإيرانيّة في الوثيقة رقم ( 168 ) بتاريخ 31 / 5 / 1353 ه - ش ( 22 / 8 / 1974 م / 3 / شعبان / 1394 ه - ) من أنّ السلطة عطّلت درس السيّد الصدر ( رحمه الله ) في شهر شعبان / 1394 ه - .
ولكن في النفس من ذلك شيء ، فإنّ اعتقال الشيخ عارف البصري كان في 26 / جمادى الثانية / 1394 ه - ، ونحن نعلم أنّ السيّد كاظم الحائري خرج من العراق إلى إيران في 28 / جمادى الأولى / 1394 ه - ، مع أنّه كان حاضراً في الجلسة ( مقدّمة مباحث الأصول : 53 ) ، وكذلك السيّد محمّد الغروي الذي انتقل إلى البحرين بُعيد انتقال السيّد الحائري . وقد ذكر لي السيّد علي أكبر الحائري بتاريخ 17 / 2 / 2005 م أنّه لم يكن حين الحادثة قد التحق ببحث الخارج الذي التحق به سنة 1393 ه - . وربّما وقع التباسٌ بين هذه الزيارة وبين استدعاء السيّد الصدر ( رحمه الله ) زيد حيدر ليبلّغه استنكاره الشديد على قرار إعدام الشيخ عارف ورفاقه ( انظر أحداث سنة 1394 ه - ) .
ثمّ إنّ المفهوم من سياق البحث في بعض المصادر أنّ اعتقال السيّد الصدر ( رحمه الله ) عام 1392 ه - كان بعيد زيارة زيد حيدر ( انظر : الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر . . دراسة في سيرته ومنهجه : 305 ) ، بل نصّت مصادر أخرى على ذلك ( الصدر وصدّام . . الإنسانيّة في مواجهة الهمجيّة : 634 ) .
لكنّ الشيخ محمّد رضا النعماني ذكر أنّ زيارة زيد حيدر أدّت إلى عودة الأمور إلى طبيعتها بالتدريج ( شهيد الأمّة وشاهدها 282 : 1 ) ، وقد ذكر لي قريباً منه الشيخ أديب حيدر بتاريخ 29 / 7 / 2004 م ، ومن الواضح أنّ هذا لا يتناسب مع وقوع الاعتقال الأوّل بعد الزيارة ، ومن هنا بنينا على أنّ العكس هو الصحيح ، وهو أنّ زيارة زيد حيدر كانت بعد الاعتقال الأوّل .
وإذا صحّ ما سنحتمله لاحقاً في المتن من أنّ الحبّوبي قدّم المصحف الموقّع من قبل البكر إلى السيّد الصدر ( رحمه الله ) في هذه الزيارة - خاصّةً وأنّنا لم نسمع أنّ الحبّوبي زار السيّد الصدر ( رحمه الله ) مرّتين - فهذا يعني أنّ الزيارة كانت في شهر رمضان المبارك ، بل في أواخر شهر شعبان وعلى أعتاب شهر رمضان المبارك إذا علمتَ أنّ الطلبة اللبنانيّين استضافوا زيد حيدر عصراً وقد اشتملت الضيافة على أنواعٍ من المأكولات على ما ذكره لي الشيخ حسن طراد . وهذا يؤكّد تقدّم الاعتقال الأوّل - الذي وقع في رجب / 1392 ه - - على الزيارة التي وقعت في آخر شعبان / 1392 ه - .
ثم إنّ الشيخ أديب حيدر ذكر أنّ الجانب الرسمي من الزيارة كان بتغطية الإعلام والصحافيّين ، ولو تيسّر الاطّلاع على تاريخ الزيارة من خلال الصحف لهان الأمر ، ولكنّ ذلك لم يتيسّر .
وعلى أيّة حال فإنّ زيارة زيد حيدر كانت سنة 1392 ه - [ انظر : صحيفة ( الجهاد ) ، العدد ( 181 ) ، 17 / رجب / 1405 ه - ] ، وفي آخر شهر شعبان على ما يبدو .
2 - حول المُخطِّط للزيارة : المفهوم من كلمات مختلف المصادر أنّ زيارة زيد حيدر كانت مبادرة من السلطة إمّا ممارسةً للضغط على السيّد الصدر ( رحمه الله ) كما يفهم من بعضها ، وإمّا رضوخاً لقوّته كما يفهم من البعض الآخر ( انظر : الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر . . دراسة في سيرته ومنهجه : 305 ؛ الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيّام الحصار : 179 ؛ شهيد الأمّة وشاهدها 281 : 1 ؛ الإمام الصدر . . سيرة ذاتيّة : 96 ؛ الشاهد الشهيد ، تحت عنوان ( المرحلة الثانية ) ؛ سبحات روحيّة في سيرة الإمام الشهيد الصدر : 87 ؛ الشهيد الصدر رائد الثورة الإسلاميّة في العراق : 49 ؛ الصدر وصدّام . . الإنسانيّة في مواجهة الهمجيّة : 634 ؛ خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 50 ) .
ولكنّ الشيخ أديب حيدر - الذي تولّى مهمّة دعوة زيد حيدر - ذكر لي ما أثبتناه في المتن ( وانظر ما يفهم منه ذلك في : تلامذة الإمام الشهيد الصدر : 32 ) .
وأنا أحتمل أنّ زيارة زيد حيدر لمّا كانت بعد الاعتقال بحوالي شهرين ، فقد فهم الأصحاب من ذلك أنّها جاءت في السياق نفسه ، سياق الضغط والإرهاب . وليس هناك ما يشير إلى أنّ ما ذهبوا إليه مبنيٌّ على معلومات حسيّة ، بخلاف ما ذكره الشيخ أديب حيدر ، فنقدّم كلامه على كلامهم وإن فاقوه عدداً ، وذلك من باب تقديم المستفاد حسّاً على المستفاد حدساً .
هذا إضافةً إلى أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) تقدّم في الجلسة - كما سترى إن شاء الله تعالى - بمجموعة من المطالب ، وكان زيد حيدر منصتاً في معظم الجلسة ولم يتكلّم إلّا في البداية ، وهذا يتناسب مع كون السيّد الصدر ( رحمه الله ) هو صاحب الفكرة .
3 - إنّ زيد حيدر ليس ابن عمّ الشيخ أديب حيدر المباشر كما ربّما يُفهم من كلام الشيخ محمّد رضا النعماني ( شهيد الأمّة وشاهدها 281 : 1 ) ، وليس شقيقه كما جاء في مصادر أخرى ( محمّد باقر الصدر . . حياة حافلة . . فكرٌ خلّاق : 133 ) ، بل هو من عائلته في حسب ، وهو من أصل لبناني يحمل الجنسيّة السوريّة ويسكن الآن في الأردن على ما ذكره لي الشيخ أديب حيدر ، ولكنّه ذكر في موردٍ آخر أنّه قريبه جدّاً قرابة لازمة ، وأنّه لبناني [ صحيفة لواء الصدر ، العدد ( 444 ) ، 12 / رمضان / 1410 ه - في حديثٍ مع الشيخ أديب حيدر ] .
4 - اختلفت وجهات النظر بالنسبة إلى شخص زيد حيدر ، والمصادر التي قرأتها تتعامل معه بأجمعها كما تتعامل مع غيره من قياديّي السلطة ، ولكنّ الشيخ أديب حيدر نقل لي بتاريخ 29 / 7 / 2004 م أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) كان يعبّر عنه ب - ( الدكتور النبيل ) وكان يستفيد من موقعه في السلطة .