تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وبعد انتهاء الزيارة زار الدكتور الطباطبائي السيّد الصدر ( رحمة الله ) في منزله وعرض عليه ما حصل ، ثمّ سأله عن السرّ في أنّ السيّد الخوئي ( رحمة الله ) رفض أن يعطيه الفتوى مكتوبة ، فأجاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « نحن لدينا فقهان ، فقهٌ بازاري وفقهٌ سنّتي ونبوي : أمّا الفقه البازاري فينظر في حاجات البازار ويفتي لكلّ بازار بحسب ما يتقبّل ، والبازار النجفي لا يتقبّل فتوى جواز حلق اللحية فنفتيه بالحرمة ، بخلاف بازارك وبازار الجاليات في أوروبا الذي يتقبّل ذلك ، فنفتيه بالجواز . أمّا الفقه السنّتي والنبوي ، فهو الفقه الذي ينظر في الأدلّة ويفتي على وفق مؤدّاها » « 1 » .

مع الشيخ علي كوراني

في هذه الأجواء كتب السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى الشيخ علي كوراني رسالةً جاء فيها : « بسم الله الرحمن الرحيم العزيز المعظّم حفظه الله ورعاه . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . تسلّمت بتلهّف رسالتكم العزيزة ، وسرّني جدّاً ما ذكرت في آخر الرسالة من أنّك تشعر بالاطمئنان والاستقرار من ناحية المرجعيّة الصالحة لأنّ هذا نفسه شعوري فعلًا ، وإنّ إحساساً يملأ شعوري الآن بأنّ درجة كبيرة من الرعاية الربانيّة مقرونة بألطاف كثيرة تحظى بها هذه المرجعيّة حتّى في أشدّ حالات العسر ، فالحمد لله تعالى على عظيم لطفه وجزيل عنايته . وليس الامتحان والابتلاء مهما اشتدّ إلّا مظهراً من مظاهر هذا اللطف والعناية في كثير من الأحيان . إنّ كثيراً من المواضيع التي ذكرتم بحاجة إلى تفاعل ، وقد أجّلت الجواب عليها إلى حين وصول السيّد
هامش
( 1 ) حدّثني بذلك الدكتور صادق الطباطبائي بتاريخ 11 / 7 / 2005 م ، وما يتعلّق بالمصافحة ذكره لي لاحقاً . أقول : هذا ما نقلناه عن المصدر بدقّة ، وأجده - في الجملة - غير بعيد عن مذاق السيّد الصدر ( رحمه الله ) إذا تمّ ترميمه ؛ إذ ليس مراده ( رحمه الله ) أنّ المرجع قد توصله الأدلّة إلى الحرمة فيفتي بالجواز على ضوء حاجات البازار ، بل مراده أنّه قد يصل إلى الجواز ، ولكنّه لا يفتي به من باب الاحتياط في الفتوى ، أو من باب العنوان الثانوي الذي يلتزم به السيّد الصدر ( رحمه الله ) أيضاً ، من قبيل ذهابه ( رحمه الله ) إلى عدم وجود دليل على حرمة ( لعبة الورق ) ، ولكنّه كان يحرّمها من باب ( الولاية ) ، وليس ذلك إلّا من باب العنوان الثانوي - إلّا عند من يرى أنّ ما ينشئه الحاكم حكم أوّلي - لما يجده مثلًا من مضار ومفاسد اجتماعيّة يسبّبها اللعب بهذه اللعبة . وهذا الكلام يجري كذلك في الاتّجاه المعاكس ، أي أنّ الفقهاء قد يسكتون عن أمور يرونها محرّمة مراعاةً لبازار الناس ، من قبيل الموارد التي ينهج فيها الناس في ممارسة بعض الشعائر مناهج لا يرتضيها الشرع وباعتراف العلماء أنفسهم ، أو أنّها تحوّلهم عن الهدف المنشود ولو كانت مباحة بالاصطلاح الفقهي ، ومع ذلك يسكتون . بل قد يكون العامل المالي دخيلًا في السكوت عن بعض الأمور ، كما هو الحال في ما نقلناه في مطاوي الكتاب ( ضمن أحداث سنة 1387 ه - لدى الحديث عن طباعة دار الفكر كتاب اقتصادنا ) وقول السيّد الصدر ( رحمه الله ) للأستاذ محمود سالم صاحب دار الفكر : إنّ مشكلة علماء السنّة هي أنّهم يقبضون رواتبهم من الحكومة فهم عنها ساكتون ، وأمّا علماء الشيعة فيعتمدون على الحقوق الشرعيّة التي يأخذونها من الناس ، ولذلك كثيراً ما يراعونهم ( راجع كذلك ما نقلناه حول الشيخ صاحب الجواهر ( رحمه الله ) وتقييم السيّد محسن لبعض ما قام به ضمن مقدّمة الكتاب ) . كما من الواضح أنّ مرادنا من دخالة العامل المادي هو أنّ الفقيه يوازن بين التساهل مع الناس في ما يعتقدونه ويمارسونه وبالتالي بقاء الموارد الماليّة على حالها ، وبين شجب ما يعتقده باطلًا وبالتالي خسران شيء أو كثير منها ، وحيث إنّها قوام أعماله ونيابته فغالباً ما يقدّم الأوّل على الثاني ، والنتيجة منوطة بقناعات الفقيه وقدرته على الموازنة بين الأمور .