جانب الاختزال والتركيز اللفظي ، الذي يميّز الكتاب الفقهي عادةً .
وهذه النقاط ، إن كان لا بدّ من الاعتراف بها ، فالمبرّر لها هو أنّ الكتاب يمثّل - كما ذكرنا - ممارسةً تدريسيّةً قد خضعت لنفس الأعراف المتّبعة في مجال التدريس السائد من ناحية المنهج ولغة البحث والتوسّع في الشرح والتوضيح ، واتّجهَتْ إلى تعميق المحتوى والمضمون كلّما أتيح لها ذلك ، تاركةً تطوير المنهج ولغة البحث إلى حين تتوفّر الظروف الموضوعيّة التي يتطلّبها ذلك ، وحافظت على نفس العبارة التي استُعمِلت خلال تلك الممارسة عن طريق تسجيلها مع شيء من التغيير والتهذيب .
ولئن فات هذا الكتاب أن يَبْرُزَ بالعبائر المضغوطة التي تستوعب المعنى بأصغر حجم لفظي ممكن ، فقد استطاع أن يوفّر - بدلًا عن ذلك - درجة كافية من الوضوح ، لما عبَّر عنه من أنظار ومباني .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
محمّد باقر الصدر » « 1 »
. وبعد صدور هذا الكتاب قال السيّد الصدر ( رحمة الله ) للشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي : « لقد كتبتُ
هذا الكتاب لكي لا يُنكروا علمنا » « 2 » .
وبعد صدور الكتاب كتب السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى ابن عمّه السيّد رضا الصدر ( رحمة الله ) رسالةً جاء فيها :
« بسم الله الرحمن الرحيم
سيّدنا المعظّم والملاذ المفدّى آية الله الإمام الرضا الصدر دام ظلّه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد ، فإنّي أكتب هذه السطور في نفس الغرفة التي لا تزال تحتفظ بأقدس الذكريات ، في نفس تلك الغرفة الفوقانيّة التي كنت أتشرّف فيها بقربكم وأتفيّأ طلّكم وأستمتع بعظيم لطفكم ، فكم من ساعة وساعة نسيت فيها آلام الدنيا وهمومها بسبب لذّة السمر مع المولى المفدّى .
أرجو أن تكونوا يا مولاي في كامل الصحّة والعافية الآن بعد ذلك العارض الطويل الذي لم تنعكس عليّ أخباره إلّا متأخّراً ، وقد تألّمت كثيراً لما قاسيتم ، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بصحّتكم وعافيتكم يا خليفة الماضين وثمال الباقين .
رجعت بنت العم والأطفال إلينا قبل بضعة أيّام سالمين صحيحين بعد أن حظوا برعايتكم الأبويّة وألوان اللطف والعطف التي أسبغتموها عليهم ، وما كان أكبرها من فرحة رجوعهم سالمين بعد فراق طال أربعة أشهر وأربعة أيّام والحمد لله ربّ العالمين .
طبعت الجزء الأوّل من ( بحوث في شرح العروة ) ، وقد أرسلت نسخة إليكم بالبريد ، أرجو أن تكون قد تشرّفت أو على وشك التشرّف بلثم أناملكم .
وأرفع ختاماً أخلص احتراماتي للسيّدة الوالدة المعظّمة البيبي « 3 » وإلى جميع الأحبّة والأعزّاء من حولكم ، والسلام عليكم أوّلًا وآخراً ورحمة الله وبركاته .
محمّد باقر الصدر » « 4 »
هامش
( 1 ) بحوث في شرح العروة الوثقى ، ط 1 : 1 1 - 2
( 2 ) حدّثني بذلك الحاج أبو إحسان النعماني بتاريخ 4 / 12 / 2004 م نقلًا عن الشيخ إبراهيم الجناتي . ويُشار إلى أنّ التشكيك في علم السيّد الصدر ( رحمه الله ) بلحاظ الجانب الحوزي الكلاسيكي كان أحد أساليب محاربته
( 3 ) كلمة تحبّب تطلق في اللغة الإيرانيّة على الجدّة أو على كبيرة السن في العائلة
( 4 ) انظر الوثيقة رقم ( 149 ) .