السماوي النجف الأشرف ، وقد اتّجه بصحبة السيّد أبي شبر « 1 » إلى بيت السيّد الصدر ( رحمه الله ) . وفي الطريق كان أبو شبّر يلاطفه ويعطيه فكرة عن العلماء المشهورين وعن التقليد وغير ذلك . .
ودخلوا على السيّد محمّد باقر الصدر في بيته ، وكان مليئاً بطلبة العلوم وأغلبهم من الشبّان المعمّمين . . وقام السيّد يسلّم عليهم ، وقدّموا الدكتور إليه فرحّب به كثيراً وأجلسه إلى جانبه وأخذ يسأله عن تونس والجزائر وعن بعض العلماء المشهورين أمثال الخضر حسين والطاهر بن عاشور وغيرهم . . وقد أنس الدكتور بحديثه . .
ورغم الهيبة التي تعلوه والاحترام الذي يحوطه به جلساؤه ، وجد الدكتور نفسه غير محرج وكأنّه
يعرفه من قبل . وقد استفاد من تلك الجلسة إذ كان يسمع أسئلة الطلبة وأجوبة السيّد عنها ، وعرف وقتها قيمة تقليد العلماء الأحياء الذين يجيبون عن كلّ الإشكالات مباشرة وبكلّ وضوح . . وكان كلّما ذكر اسم ( محمّد ) ( ع ) صاح الجميع في صوت واحد : « اللهم صلِّ على محمّد وآل محمد » .
وجاء وقت الصلاة وخرجوا إلى المسجد « 2 » وكان بجوار البيت ، وصلّى بهم السيّد الصدر صلاة الظهر والعصر ، وقد تخلّل الصلاتين دعاءٌ من أحد المصلّين ، وكان له صوتٌ شجيّ . وبعدما أنهى الدعاء صاح الجميع « اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد » .
[ وكانت هذه الصلاة هي أوّل صلاة يجمع فيها الدكتور بين الظهر والعصر ، إذ كان في النجف يفرّق بين الظهر والعصر حتّى ذلك اليوم الذي خرج فيه مع السيّد الصدر ( رحمة الله ) من بيته إلى المسجد الذي يؤمّ فيه مقلّديه الذين احترموا الدكتور وتركوا له مكاناً خلف السيّد الصدر ( رحمة الله ) بالضبط .
ولمّا انتهت صلاة الظهر وأقيمت صلاة العصر ، حدّثته نفسه بالانسحاب ، ولكنّه بقي لسببين :
أوّلهما : هيبة السيّد الصدر ( رحمة الله ) وخشوعه في الصلاة ، حتّى تمنّى أن تطول .
وثانيهما : وجوده في ذلك المكان وهو أقرب المصلّين إليه ، وقد أحسّ بقوّة قاهرة تشدّه إليه ] .
بعد الصلاة جلس السيّد الصدر ( رحمة الله ) في المحراب ، وأخذ بعضهم يسلّمون عليه ويسألونه سرّاً وعلانية ، وكان يجيب سرّاً عن بعض الأسئلة التي تتطلّب الكتمان لأنّها تتعلّق بشؤون خاصّة ، وكان السائل إذا حصل على الجواب يقبّل يده وينصرف ، [ وقد بقي الدكتور خلفه يسمع الأسئلة والإجابة عنها إلّا ما كان خفيّاً ] .
وبعد ذلك رجعوا بصحبة السيّد الصدر ( رحمة الله ) الذي أولى الدكتور التيجاني من الرعاية والعناية وحسن الضيافة ما أنساه أهله وعشيرته ، وأحسّ بأنّه لو بقي معه شهراً واحداً لتشيّع لحسن أخلاقه وتواضعه وكرم معاملته ، فلم ينظر إليه إلّا وابتسم في وجهه وابتدره بالكلام وسأله هل ينقصه شيء ، فكان الدكتور لا يغادره طيلة الأيّام الأربعة التي قضاها معه إلّا للنوم ، رغم كثرة زوّاره والعلماء
هامش
( 1 ) لم أستطع تحديد هويّته
( 2 ) كنّا قد احتملنا أنّه يقصد الحسينيّة الشوشتريّة ، باعتبار أنّ السيّد ( رحمه الله ) لم يقم الصلاة في أيّ مسجد . وتقع الحسينيّة الشوشتريّة في عقد السلام من محلّة العمارة ، وهي قريبة من منزله في العمارة . ولكنّ المشكلة هي أنّه أقام الصلاة في الحسينية الشوشتريّة سنة 1392 ه - أو 1393 ه - ، فلم يتبيّن لنا واقع الأمر .