23 - وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) لا يتردّد في تقديم الخدمة إلى الصديق ، ومن هذا القبيل ما يذكره السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) : « لقد طلبتُ منه يوماً أن أدرس لديه بعض الكتب الفقهيّة على مستوى السطح « 1 » ، وكان في ذلك الوقت يدرّس الخارج ونحن نحضر لديه درس الخارج أصولًا ولم يكن يدرّس في ذلك الوقت السطح ولا مستواه العلمي والاجتماعي ذلك ، فبادر للقبول وباشر دون الباقين مع ما كان يكلّفه ذلك من وقتٍ ثمين ، مع أنّه كان يمكن أن أحصل على هذا الدرس لدى أساتذة آخرين ، ولكنّ شدّة الودّ والحب والرغبة في اللقاء المستمرّ أوجد هذه الرغبة لديّ والقبول لديه .
وقد صنع ذلك أيضاً لنفس السبب من جانبه ورعايةً لحال الأخ الشهيد السيّد مهدي ( رحمة الله ) عندما طلب منه ذلك أيضاً « 2 » ) .
لقد درس لديّ بعضُ الطلبة الجزء الأوّل من كفاية الأصول من أوّله إلى آخره وكان الطلبة « 3 » من المشتغلين المحصّلين ، وكان يلحّ على الدرس حتّى في أوقات التعطيل ، وكنتُ أستجيب له باستمرار إلى أن أنهى الكتاب . وبعد مدّة سمعت بأنّه كان يذكر في بعض المجالس عدم استفادته الكاملة من هذا الدرس ، فأحسست بالمسؤوليّة تجاه هذا الموضوع ، فطلبتُ من الشهيد الصدر أن يعطيه فرصة لإعادة البحث لديه وكان الشهيد الصدر يدرّس الخارج وانقطع عن تدريس السطح ولم تكن علاقته بهذا الشخص جيّدة ، ولكنّه وافق حبّاً واستجابة للصداقة وهو أمرٌ غريب ، ثمّ وقعت بعض الملابسات جعلت الشهيد الصدر يفكّر بقطع البحث مع هذا الشخص لأنّه كان يتعامل معه بطريقة مؤذية لم يوضحها الشهيد الصدر حفظاً لكرامة هذا الإنسان وتورّعاً ، فلم يقطع حتّى استأذنني في ذلك ، وهذا يمثّل منتهى الأدب والوفاء والحب » « 4 » .
24 - وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعاني من الضيق المالي وكان يدرّس في حرّ الصيف ، ولم تكن في تلك المقبرة وسيلة تبريد ، ولم يكن يمتلك وسيلة تبريد في بيته . وكان المتعارف وقتئذٍ في النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلّاب الحوزة العلميّة ، فكان الطلّاب يدرسون حتّى في الحرّ الشديد .
وذات يوم كان السيّد عبد الغني الأردبيلي ( رحمة الله ) في بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) في محلّة ( العمارة ) بعد الزقاق المسمّى ب - ( عقد السلام ) وقال له : « إنّ الحرّ شديد وطلّابك يعانون من الحرّ في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين . فاْذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة لتبريد الجوّ ، ولي صديقٌ من التركمان في
شمال العراق من بيّاعي المبرّدات ، وهو مستعدٌّ لتزويدكم بمبرّدة بسعر الكلفة ، هو سعرٌ يسيرٌ ويقسّط السعر عليكم أشهراً عديدة لا يأخذ منكم في كلّ شهر عدا دينارين » ، فسكت السيّد الصدر ( رحمة الله ) خجلًا وحياءً من أن يقول إنّ وضعه الاقتصادي لا يسمح بهذا .
ولكنّ السيّد عبد الغني ( رحمة الله ) اعتقد أنّ السكوت من الرضا ، فاستورد مبرّدة ووضعها في المقبرة ثمّ
هامش
( 1 ) هو كتاب ( المكاسب ) كما ذكره السيّد الحكيم ( رحمه الله ) في : صحيفة ( المبلّغ الرسالي ) ، العدد ( 129 )
( 2 ) ذكر السيّد محمّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) قد خصّه في أواسط الخمسينات بدرسٍ على متن ( الكفاية ) ولكنّه كان على مستوى بحث الخارج ، وقد استمرّ هذا الدرس لمدّة سنتين ( مقابلة مع السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) ، * )
( 3 ) تستخدم هذه الكلمة في استعمالات الحوزيّين للدلالة على المفرد أيضاً
( 4 ) ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) .