أو هل أتحدّث عن يوم نبع الطاسي وما أدراك ما يوم نبع الطاسي وما أروعه من يوم لا يزال ثابتاً في قلبي ، لأنّه يوم القلب الذي منحتني فيه عواطفك حتى بدا لي اللحم المشوي في إطار عواطفك الحبيبة أطيب طعام وأشهاه لأنّي كنت لا أحسّ فيه بحرارة النار التي شوت اللحم فحسب ، بل كنت أحسّ أيضاً بحرارة القلب والعاطفة والإخلاص أيضاً .
ماذا أذكر من هذه الصور ومن أمثالها وهي كثر وكلّها حبيبٌ إلى قلبي ، قريبٌ من نفسي بل نافذ إلى أعماقها ، غير أنّ هناك صورة أو ذكرى تفوق هذه الصور والذكريات كلّها .
إنّها الصورة التي لا تبارح خيالي أبداً .
إنّها الصورة التي هزّتني وكهربتني .
إنّها الصورة التي ملأتني اعتزازاً بك وحبّاً لك .
أتعلم يا أبا عماد ما هي هذه الصورة :
إنّها صورتك في لحظة الوداع والسيارة تنتزعني من أيديكم انتزاعاً وتضع حدّاً فاصلًا للجنّة التي عشناها جميعاً على صعيد لبنان .
إنّها صورتك وأنت تودّعني في تلك اللحظة ، فتعبّر في ملامحك وجوارحك عن آيات صادقة في الحبّ والعاطفة .
إنّها صورتك وأنت تودّعني بدموعك ويا بنفسي هذه الدموع التي إن لم تسمح لي السيارة بأن أمسحها بكفّي فقد قفز لها قلبي من بين ضلوعي وكاد أن يطير إليها ليلثم تلك العبرات ويرتوي بعذوبتها أو يحترق بحرارتها .
إنّي لا أنسى ولن أنسى يا أبا عماد ذلك المنظر العظيم الذي ما تذكّرته بعد ذلك في سفرتي إلّا استعبرت وكدت أبكي ، وحين كنت أحدّث إخواني وصحبي في العراق كنتُ أقول لهم وهم الذين يعزّونني أكثر من أيّ شيء آخر : إنّ أبا عماد وصل في حبّه ووفائه لي خلال عدّة أسابيع ما لم تصلوه إلّا خلال سنوات .
وإنّي أبتهل إلى المولى سبحانه أن يجمعنا مرّات ومرّات في العراق ولبنان ، إنّه على كلّ شيء قدير .
وختاماً أقبّل الأولاد الأعزّاء خصوصاً عماد ورضا وأسلّم على جميع الإخوان ، كما أنّ العائلة يسلّمون كثيراً على عائلتكم وعلى السيّدة الكريمة أم عماد خصوصاً ، وهم ألسنةُ ثناء وشكر ودعاء لها .
والسلام عليكم أولًا وآخراً
النجف الأشرف
محمّد باقر الصدر » « 1 »
.
هامش
( 1 ) انظر الوثيقة رقم ( 105 ) . وبعد ذلك كانت للسيّد حسين صفي الدين مجموعة من الذكريات مع السيّد الصدر ( رحمه الله ) حدّثني بها بتاريخ 24 / 7 / 2004 م :
1 - زاره مرّة في النجف الأشرف فاستقبله السيّد الصدر ( رحمه الله ) بحفاوة بالغة أمام طلّابه ، وقد استحى السيّد حسين صفي الدين من ذلك ، فقال له السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « الحياء من الدين » .
2 - وذات مرّة كان السيّد الصدر ( رحمه الله ) يريد زيارة كربلاء كعادته ، فقام السيّد صفي الدين بإيصاله مع عائلته بسيّارته الخاصّة .
3 - وزاره قبل اختفاء السيّد موسى الصدر بفترة ، فاستقبله السيّد في منزله وقال له : « سأشربّك شاي على ذوقك » ، وبعد الشاي طلب من أم جعفر أن تعدّ لضيفه القهوة ، وقد سلّمت عليه أم جعفر وسألته عن أحوال أخيها السيّد موسى . ثمّ دار حديثٌ حول أوضاع السيّد موسى والفلسطينيّين في صور ، وقال له إنّه سيحمّله رسالة إلى السيّد موسى وكتاباً إلى السيّد الغروي ليقوم بطبعه . وقد قابل السيّدَ صفي الدين السيّدُ علي بدر الدين ، فرأى ما يحمل وقال له : « أرجع هذه الأمانة إلى السيّد » ، فلمّا أرجعها السيّد صفي الدين معتذراً قال له السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « السيّد بدر الدين طلب منك ذلك ؟ ! » فقال : « نعم » ، فقال : « معه حق » وأبلغه رسالةً ليوصلها إلى السيّد موسى الصدر . وعندما التقى السيّد صفي الدين بالسيّد موسى في منزل القبيسي في ( فردان ) ، اختلى به الأخير وسأله عن حال ابن عمّه وحال أخته ، فطمأنه السيّد صفي الدين وأبلغه رسالة السيّد الصدر ( رحمه الله ) .